الإثنين - 28 أيلول 2020
بيروت 27 °

لماذا فرنسا؟

المصدر: " ا ف ب"
جوزف باسيل
A+ A-

بدا واضحاً أنّ فرنسا وحدها بين الدول الأوروبية الأكثر استهدافاً بالهجمات الارهابية. وكانت الأخيرة في نيس الأكثر إيلاماً وفظاعة ليس في نتائجها، لجهة مقتل عدد كبير من الأطفال والنساء، فحسب، بل في طريقة القتل دهساً بدواليب الشاحنة التي تتضمّن تفظيعاً وتمثيلاً بالجثث، وتعبّر عن كراهية دفينة.

\r\n

منحى الأمور وتصاعدها يفترضان أنّها لن تكون الأخيرة، ليس في فرنسا، بل في كل الدول الأوروبية، لكن لماذا فرنسا الأكثر استهدافاً؟
إنّ فرنسا هي الأكثر استهدافاً لأنها رأس الحربة الأوروبية في الحرب على الارهاب. ولأن فيها أكبر جالية عربية مسلمة في أوروبا، خصوصاً من دول المغرب العربي، حيث كانت تستعمر المنطقة، ولأنها تختزن الحضارة الأوروبية التي بدأت في القرن الرابع عشر، وما زالت مستمرة، وهي رمز لهذه الحضارة وثقافتها.
ولأنها الدولة التي رفعت منذ أكثر من مئتي سنة شعار "حرية، أخوة، مساواة" الذي ألهم شعوباً كثيرة الثورة على أنظمة الحكم، ولم يعد أي نظام حديث قادراً على تجاوز المفاهيم التي بلورتها فرنسا خلال مسيرتها منذ ثورة 1789، التي كانت تحتفل بذكراها، حين وقعت المجزرة في نيس، وهي واقعة ذات دلالات. وبالتالي الهدف وقف هذه المسيرة، في منابعها، تمهيداً لإنهاء مفاعيلها والقضاء عليها، لمصلحة أفكار جديدة ومفاهيم تخدم مصلحة النظام العالمي الجديد، الذي تظهر أبرز مقوماته في الفوضى الشاملة.
ولأنها تمثل قيم الحضارة الحديثة في حقوق الانسان والعصرنة، والمفاهيم الانسانية التي نحتتها فرنسا، ولاحقاً الشعوب الأخرى، في صخرة العلاقات بين الشعوب والدول والأمم. وهي تطبّق هذه المفاهيم من دون تمييز.
ولأنّها أنموذج للسلاح الأوروبي منذ توقيع صلح وستفيليا في المانيا عام 1648 الذي عقد السلام بين ممالك تلك الحقبة بعد حروب المئة سنة الدينية، ونظم موازين القوى بينها فازدهرت تجارتها. وصارت فرنسا تحت حكم لويس الرابع عشر الأكثر اتساعاً والأقوى، وقطب الرحى في التوازن الأوروبي. وأي اخلال يطالها ينعكس على أوروبا كلها، خصوصاً بعدما تنكبت مفاهيم الدولة الحديثة.
ولأنها واسطة العقد في الأمن الأوروبي، بقواها العسكرية والأمنية، فاذا تزعزع أمنها، تزعزع في كل الدول، وتداعت الحماية الأمنية في أوروبا كلّها.
ولأنها نقيض التطرّف الديني الذي يستهدفها، فعلى الرغم من أنها أكبر دولة كاثوليكية في أوروبا، إلاّ أنها بتطبيقها النظام العلماني، تساوي بين مواطنيها من كل دين أو مذهب أو عرق... وهي تستهدف لأنها كاثوليكية وعلمانية في آن معاً.
ولأنها ما زالت احدى الركائز المناهضة للنظام العالمي الجديد الذي يراد له أن يبيح العالم أمام الشركات الكبرى العابرة للقارات التي لا تحبّذ الدول القوية والقوميات المتماسكة، بل تفضّل التعامل مع عملاء ضعفاء وشراذم متناحرة، ما يجعلها القوية المسيطرة.
إنّ فرنسا أمام امتحان عسير في مواجهة الارهاب الذي يرمي الى نشر الفوضى في العالم، متقاطعاً مع فوضى النظام العالمي الجديد الذي بدأت نذره الأميركية في البروز.
إذاً المطلوب إسقاط الانموذج الأوروبي، بإسقاط أمنه وحمايته، بدءاً بفرنسا رأس الحربة على الارهاب، ومفاهيمها العالمية التي أرست السلام بين الشعوب.

\r\n

[email protected]