الثلاثاء - 22 أيلول 2020
بيروت 28 °

أخي واصف: قبورنا أو قبورهم

عقل العويط
عقل العويط
أخي واصف: قبورنا أو قبورهم
أخي واصف: قبورنا أو قبورهم
A+ A-

سلامة قلبك. وبعد،

إنّهم يحفرون القبور بأيديهم وأسنانهم والأنياب. وبكلّ ما ملكت أيمانهم. ولن يتراجعوا.\r\n

إنّهم مصمِّمون، مجتهدون، مواظبون، وسيواصلون الحفر، مستخدمين الشرور كلّها، والوسائل والأساليب الدنيئة كلّها. ولن يتراجعوا. ولن يتورّعوا. \r\n

هل تعرف لماذا؟\r\n

لأنّ القبور من ورائهم، والقبور من أمامهم.\r\n

وإذا كانت القبور التي وراءهم مثبتةً، ومرئيّةً، وواضحةً، ولا مفرّ منها، فإنّهم قد يتوهّمون في لحظة ارتجافٍ وارتباك – أكرّر: قد يتوهّمون في لحظة ارتجافٍ وارتباك - أنّ الهرب إلى الأمام سيتيح لهم تجنّب القبور، ظنًّا منهم أنّ القبور التي يحفرونها الآن، لن تكون هي القبور التي سينقبرون وبطاناتهم وحاشياتهم وأزلامهم ومريديهم فيها.\r\n

إنّهم يقتربون أكثر، يا أخي واصف. كلّ يوم يحفرون أعمق، وقريبًا سيصلون إلى القعر.\r\n

وعندما يصلون إلى القعر، ويمثلون أمامه، سيكتشفون أنّ لا قعر بعد هذا القعر.\r\n

ثمّ سينظرون، في لحظة ارتجافٍ وارتباك، إلى الوراء، آملين أنْ يعثروا على مهرب. لكنّهم سيكتشفون أنْ لا مهرب في الوراء.\r\n

القبور من ورائهم، يا واصف، والقبور من أمامهم.\r\n

ولا مفرّ من القبور.\r\n

إنّها مسألة وقت، وصبر، وصلابة روحيّة – فكريّة – عقليّة – وجوديّة.\r\n

وليس أمام أمثالنا، إلّا أنْ نتحمّل الوقت، ونصبر على الصبر، ونتقوّى بالصلابة.\r\n

لكنّها أيضًا مسألة رؤيةٍ سياسيّةٍ ووطنيّةٍ متكاملة، يجب أنْ نشحذ الهمم والعقول والأفكار والمواهب لنستخلص مكوّناتها، ونضع خطّتها، ووسائل العمل التي تؤمّن نجاحها.\r\n

بيننا وبينهم، يا واصف، قبورٌ من الوراء ومن الأمام، وهي قبورٌ تفغر أفواهها. \r\n

فإمّا أنْ تكون القبور لنا، لأحلامنا وقيمنا ومعاييرنا وحرّيّاتنا وكراماتنا وأرغفة خبزنا، وإمّا انْ تكون قبورًا لهم، ولنظامهم السياسيّ – الطائفيّ - المذهبيّ، ولفسادهم، ولطغيانهم، ولعهر قادتهم وزعمائهم، وعربدة أحزابهم وتيّاراتهم وعصاباتهم وزعرانهم وإرهاباتهم وأسلحتهم.\r\n

لن يتركوا رأيًا حرًّا ولا شخصًا حرًّا، إلّا سيحاولون تمريغه وترهيبه وتدجينه وإسكاته، ودفنه في مقبرة الصمت الكبرى. \r\n

لذا يواصلون الحفر، ظنًّا منهم أنّ قبورنا – أكانت قبورًا مادّيّةً أم معنويّةً - لن تستتبّ إلّا بهذه الطريقة. \r\n

أخي واصف،\r\n

سلامتك. وبعد،\r\n

إنّها مسألة قبور. فإمّا أنْ تكون قبورنا، وإمّا أنْ تكون قبورهم.\r\n

وهي مسألةُ وقتٍ، وصبرٍ، وصلابة. لكنّها أيضًا وخصوصًا وفي الآن نفسه، مسألة رؤيةٍ سياسيّةٍ ووطنيّة متكاملة. \r\n

وهذه – وموجباتها - ليست بالأمر المستحيل. \r\n

يجب أنْ نربح هذه المسألة. \r\n

يجب أن نربحها، يا واصف. وسنربحها لا محالة.\r\n

[email protected]