الخميس - 22 تشرين الأول 2020
بيروت 29 °

إعلان

طرابلس مُسيلة للدموع

المصدر: "النهار"
علي شندب
طرابلس مُسيلة للدموع
طرابلس مُسيلة للدموع
A+ A-

العنوان ليس اسماً يتصدر رواية أو ديواناً اشترك في تدبيج قصائده بعض شعراء منتديات الفيحاء الثقافية.

العنوان توصيف حقيقي لوضع عاصمة الشمال المكلومة والمنكوبة منذ سنوات مضت وما انقضت. وشابت دون أن تجدّد رجالها. "فطرابلس تيتمت بعد رشيد كرامي"، كما قرّر يوماً ناقوس رشيد درباس. وقعُ هذه الجملة يشبه دوي انفجار هائل في لحظة الانفجارات الصامتة، لأنها بقدر ما تعكس أهمية رجل بحجم رشيد كرامي، بقدر ما تقرّر أنّ من تبوّأ كرسيها بعده لم يرتقِ إلى مستوى المدينة بوصفها من أبرز حواضر العرب التي عندما نعدّدها تكون طرابلس الثالثة بعد بغداد ودمشق المنكوبتين بمحنتين منفصلتين متصلتين.

طرابلس التي فاجأت الجمع والجميع بتألقها وزهوها، الذي لألأ ثورة 17 تشرين وزادها توهجاً وحضوراً، وبات الوجدان الجمعي لأبناء طرابلس والشمال محط انتباه واهتمام العرب والعجم والعالم، وباتت طرابلس عنواناً بارزا في الفضائيات ووكالات الأنباء المتفاجئة بصورة الفيحاء الجديدة المتناقضة مع الصورة النمطية التي رُسمت لها كإطار سُجنت فيه المدينة كما وُصمت ظلماً وتجنياً بالإرهاب والطائفية وهما الآلتان اللتان حولتاها إلى قندهار لبنان رغم أن القندهاريين الحقيقيين هم أدوات الاحتلال المزدوج للعراق وغيره وعبره.

إذاً، تميزت طرابلس بحراكها الأنيق ونبضها الجديد ورؤيتها الواضحة.

وقد عانى أبناء المدينة الذين قالوا كلمتهم وعبّروا عن مكنوناتهم ومكبوتاتهم بأسلوب حضاري رفيع أحرج متنفذي الدولة والدويلة معاً وهم يرصدون كيف مزقت طرابلس رداء الطائفية والمذهبية والمناطقية، وكيف أقامت المصالحات الحقيقية النابعة من أوجاع الناس وآمالهم في ساحاتها وميادينها.

وظنّت طرابلس أنها اقتدرت على دفن سياسات الزواريب والأزقة المجنونة، وقد زُرعت حواشيها بالمفخخات المختلفة، لكن مكنونات طرابلس ومكبوتاتها التي صدحت مع 17 تشرين لم تسمع لصوتها صدى يعود. فمتنفّذو المدينة ونوابها تنافخوا شرفاً لنجدتها وأطلقوا مواقف خلّبية مشابهة لصواريخ إيران الصوتية في تدمير إسرائيل خلال سبع دقائق ونصف.

"طرابلس لن تجوع" رغم أن جوع المدينة وفقرها مزمن وقديم.

ثم كانت إجراءات التعبئة العامة الحكومية لمواجهة كورونا وأبرزها منع التجول وإقفال المؤسسات وتعطل دورة الحياة الاقتصادية بفعل الجائحة غير الجائعة، لكن جموعاً من المدينة خرجت إلى الشوارع تقول: "نفضل الموت من كورونا على الموت من الجوع"، وضارب الطبلة يغني "طرابلس لن تجوع".

إنه الجوع إذاً، ذاك الذي يفتك بطرابلس بعدما فتكت فيها السياسات التخضيعية. بل إنه التجويع الممنهج الذي امتهنه بعض الساسة الجدد فحولوه "ثقافة تسوّلية" اعتمدوها نهجاً ومنهاجاً هجيناً ليركبوا على المدينة وينصّبوا عليها وعلى غيرها "مزهريات" في المجلس النيابي والحكومة، رغم أن طرابلس ولزمن غير بعيد مدينة قائدة أو تابعة لأحد من خارجها. لكنها استُتبعت سياسياً وشُوّهت إعلامياً واُهملت إنمائياً واقتصادياً، فلا أحد يسأل أو يتساءل بعد هذا عن مآلات مدينة أو بلد تحلّ فيه لعنات "الاستتباع والتشويه والإهمال" الممنهجة بهدف السيطرة والإخضاع وتأمين الممرّات الآمنة لزعامات وافدة من عوالم لا علاقة لها بالسياسة وفنون الممكن وغير الممكن فيها بالمعنى الرشيد والحكيم والمسؤول.

الاستتباع السياسي همّش طرابلس وأفقدها وزنها وتوازنها تجاه نفسها ثم انعكس الأمر هزالاً وتهميشا وتهشيماً للمستتبع إياه الذي تعامل مع المدينة بلغة الصناديق، صناديق انتخابية تارة، وصناديق بريدية طوراً، أما صناديق المشاريع التنموية والاقتصادية والاجتماعية فبقيت خارج طرابلس. وهو الخارج الذي له مع الفيحاء حسابات وحساسيات كثيرة، يكفي أنه سيكون خارج كل الحسابات متى ما استعادت طرابلس دورها الريادي. ولهذا كان لا بدّ من وأد وتشويه صورتها وتنكيس أعلامها التي اشرأبّت مع 17 تشرين. وقد أدار لهذا الغرض تحالف "ميليشيا المال والسلطة والسلاح" محركاته باتجاه تقويض 17 تشرين وطرابلس، حيث شهدت منطقة باب التبانة فيها السبت الماضي مواجهات بين بعض أبنائها والجيش اللبناني على خلفية منع شاحنات محملة بمواد غذائية مختلفة متوجهة إلى سوريا (وليس إلى النازحين السوريين في لبنان) باعتراف متأخر من "برنامج الغذاء العالمي" التابع للأمم المتحدة والذي لم يغلّف الشاحنات المستأجرة من قبله بأي إشارة تفيد بتبعيتها له، ما سمح باستبسال أبناء باب التبانة في تعطيل سير الشاحنات إلى سوريا لاعتقادهم الراسخ أن السلطة أجبرت حاكم مصرف لبنان على ضخّ سيولة دولارية في الأسواق كي يتواصل التهريب إلى سوريا على حساب فقراء لبنان عامة وباب التبانة خاصة، وسقط نتيجة المواجهات مع الجيش اللبناني فيها نحو 90 جريحاً بينهم نحو 17 جندياً. مواجهات استُحضرت فيها ذكريات مُرّة لحروب ومآسٍ أصابتها ودمرت أبنيتها وبنيتها التحتية والفوقية وأسواقها وقتلت شبابها وسجنت أبناءها وهجّرت الكثير من عائلاتها وأصبحت ضحية لعبة المحاور وصناديق البريد الإقليمية. مواجهات كشفت عن بعض التجرؤ من أبناء التبانة على الجيش، لأنهم كشفوا في طريقة تعامل الجيش الخشن والمسيل للدموع معهم سلوكاً تمييزياً عن تعامله مع "الأمليين والحزبلاهيين". سلوك تمييزيّ راكم الكثير من الاحتقانات والتوترات النفسية ضد الجيش الذي تشوب سلوكه أحياناً إزدواجية لافتة تتمثل بتناقض بين مواقف قيادة الجيش وبين التدابير التي ينفذها بعض ضباط الجيش على الأرض. سبب التناقض ناتج عن فقدان التوازن بين الأداء الميداني ومواقف قيادة الجيش، حيث يرى بعض أبناء التبانة "أن فقدان التوازن بسبب تعدد القرارات والضغوط على الجيش وتضارب أو اصطدام الموقف الحكومي مع موقف حزب نصرالله". أغلب الظن أن قيادة الجيش وعت مخاطر انزلاق الوضع وتطوره البشع في باب التبانة فبادرت إلى فك صاعق المواجهات وأرسلت الأحد الماضي وفداً رفيعاً يمثلها جال في أحيائها الرئيسة والداخلية والتقى مشائخ المنطقة وفاعلياتها الشعبية، توجت بمصالحة أكدت على العلاقة المتينة التي تربط باب التبانة بالجيش اللبناني والجيش بباب التبانة التي كانت تسمى "باب الذهب" بوصفها الشريان الاقتصادي ليس لطرابلس والشمال فحسب، وإنما لبعض سوريا أيضاً، وباتت بفعل الحروب فيها وعليها عنوان الفقر المدقع بشهادة منظمات الأمم المتحدة وبرامجها المختلفة.

مصالحة انعكست ارتياحاً وهدوءاً واستقراراً في أرجاء طرابلس نهار الأحد الذي تخلله أيضاً، واستنكاراً لأعمال العنف في المدينة، اعتصام في "ساحة النور" تحت عنوان "طرابلس مدينة السلام" بمشاركة واسعة من نقابات المحامين والأطباء والمعلمين والإعلاميين والمثقفين وسيدات المجتمع الأهلي في محاولة جادة وهادفة لإعادة الروح إلى الساحة بهدف استئناف اعتصاماتها وأنشطتها المدنية.

فك صاعق التفجير في باب التبانة واعتصام ساحة النور لم يروقا لبعض المجموعات من خارج التبانة وحراك 17 تشرين، فعملوا على إشعال ليل الأحد ضرباً وتكسيراً وحرقاً كيدياً وانتقامياً لمؤسسات ومطاعم ومحلات دعمَ أصحابها اعتصامات المدينة ضد منظومة سلطة الهدر والفساد، في أكبر عملية ترهيب وترويع مجنونة ندر أن شهدت طرابلس مثيلاً لها حتى إبان الحرب المشؤومة. فما الذي حصل لها وفيها؟ وهل بات لطرابلس الخندق الغميق الخاص بها؟

ومن هي الجماعات والمجموعات التي أرهبت المدينة وروّعت أهلها الذين تنادوا ونزلوا إلى الشوارع للتصدي لعصابات الغوغاء، وارتفعت أصوات من بعض شباب الأحياء وأصحاب المحلات مطالبة بتأمين الحماية الذاتية ضد مستبيحي المدينة؟ لكن مفتي طرابلس الجديد الشيخ محمد إمام كان قاطعاً في شجب استباحة المدينة، ورفض الأمن الذاتي وتأكيد حرية التظاهر والحراك السلمي، ما أحرج الجيش وعزّز شكيمته في مطاردة عصابات التخريب بمشاركة من بعض مكونات 17 تشرين التي تبرأت غالبية هيئاتها مما اقترفته العصابات الغوغائية.

ثم تكثفت الأسئلة المقلقة التي يفترض أن تجيب عليها التحقيقات الأمنية والقضائية مع العصابات الغوغائية الذين أوقف الجيش غالبيتهم. لكن المناخ الذي عكسه أبناء المدينة على مواقع التواصل الاجتماعي فضح هوية عصابات الغوغاء بأنها تتبع "سرايا المقاومة" وغيرها من التابعين لحزب الله.

ما يعني أن الحزب، بعد إخضاعه مصرف لبنان وحاكمه والقطاع المصرفي بهدف مواجهة العقوبات الأميركية المرتقبة، قرّر إشاعة الفوضى في طرابلس وبيروت قبل غيرهما. فوضى تزامنت مع ضبط حزب الله اللافت لقوته الناعمة المتمثلة بالدراجات النارية في الضاحية الجنوبية والخندق الغميق. ضبط يشي باعتراف الحزب أنه هو من يطلقهم وهو من يحجرهم. ضبط أراده الحزب رسالة تحذيرية هادفة تضمن استمرار خضوع وانصياع رياض سلامة بهدف ضمان توجيه اعتمادات مصرف لبنان الدولارية وسيولته النقدية التي بدأ ضخها في السوق وفقاً لأجندة الحزب الخاصة في مواجهة تداعيات "قانون قيصر" عشية بدء سريانه على الحزب وسوريا معاً. مواجهة يخوضها الحزب في مواجهة الأميركيين لتمكين إيران من امتلاك أوراق القوة الممكنة في مفاوضاتها مع واشنطن التي تستوجب بالضرورة ضمناً (كي لا يتجرأ طرابلسي ما على إعاقة تدفق الشاحنات باتجاه سوريا) إبقاء طرابلس مدينة مسيلة للدموع وأسيرة فوضى منظمة وكأنها مسقط رأس "كوندوليزا رايس" وليس "فوزي القاوقجي".

الكلمات الدالة