الأحد - 20 أيلول 2020
بيروت 29 °

١٠ أفلام أدهشتني في كانّ: "ابن شاوول" للازلو نمش (6)

المصدر: "النهار"
هوفيك حبشيان
١٠ أفلام أدهشتني في كانّ: "ابن شاوول" للازلو نمش (6)
١٠ أفلام أدهشتني في كانّ: "ابن شاوول" للازلو نمش (6)
A+ A-

في مناسبة الدورة الملغاة من مهرجان كانّ السينمائي (بسبب تفشّي وباء كورونا)، نجري "تغطية"، هي بمثابة تحيّة للمهرجان في عنوان "كانّ - دورة كورونا"، تتضمن حوارات ومقالات. أردناها فرصة للعودة في الزمن إلى الوراء، إلى بضع سنوات خلت، لنستعيد شيئاً ممّا نحب في هذا الحدث الكبير، من خلال الذين واكبوه على مدار سنوات. انها فرصة لنعود إلى كانّ، ولو عبر الذاكرة، لنكتب فيه ما لم نكتبه في الماضي، ما لم يسعفنا ضيق الوقت لكتابته. طوال ١٢ يوماً، أي حتى الـ٢٣ من الجاري، سننشر سلسلة مقابلات مع صحافيين ونقّاد يروون تجربتهم في المهرجان. "دورة كورونا" هذه، إن صحّت تسميتها كذلك، هي مناسبة لنبش دفاتر كانّ، في انتظار طبعة ٢٠٢١. في الآتي، مقالة نقدية عن "ابن شاوول" للازلو نمش في اطار سلسلة "عشرة أفلام أدهشتني في كانّ".

"ابن شاوول" (الجائزة الكبرى في كانّ ٢٠١٥)، باكورة المخرج المجري لازلو نمش الذي ولد في بودابست وأمضى جزءاً من صباه في باريس حيث درس كتابة السيناريو والعلوم السياسية. في نيويورك التحق بمعهد السينما فدرس الاخراج. يتحدر نَمَش من عائلة وقفت في وجه النظام الشيوعي، وعاش طفولة في كنف ثقافتين، مجرية وفرنسية. عند عودته إلى العاصمة المجرية وهو في السادسة والعشرين، عمل لسنتين مساعد مخرج للمعلم المجري بيلا تار وهو يصوّر "رجل من لندن". لا شكّ ان تار ترك بعض بصماته على العمل، علماً ان نمش لا يبدو متحمّساً للحديث عن هذا التأثير بالطريقة الأبوية للكلمة. له أيضاً ثلاثة افلام قصيرة، شارك أحدها في "موسترا" البندقية في العام ٢٠٠٧ ونال ٢٥ جائزة حول العالم. بيد انه تعلم من تار أهمية التفاصيل في تشكيل المشهد السينمائي.

"ابن شاوول" ليس فيلماً آخر عن المحرقة. انه "الـ" فيلم الذي يلغي عدداً من الأفلام التي طرحت مأساة اليهود الأوروبيين طرحاً بين التلصصي والأعمال الاسعافية التي تنم عن بطولة ما. نمش يلقي نظرة اشكالية على المحرقة، وعندما نقول "محرقة"، نعنيها فعلاً، أي ان الخطّ الحكائي الذي وضعه تجري فصوله في داخل محرقة في أوشفيتز، تشرين الأول من العام ١٩٤٤. لا يخفي المخرج انه انطلق من تجربة شخصية، فهو ملتزم ذاكرة الذين قضوا التزاماً عاطفياً قبل ان يلتزمها سينمائياً، لكن الغريزة السينمائية تعود تتغلب على سائر الأشياء. جزء من عائلة نمش قضى في أوشفيتز. رغبته ثابتة في مقاربة المحرقة مقاربة مختلفة، أي أن يصوّر اولئك الذين خسروا أرواحهم فيها وليس مَن تم انقاذهم. كانت هذه أيضاً حجة المخرج الأميركي ستانلي كوبريك يوم كان يريد اتمام فيلم عن المحرقة، فقط لاعادة الاعتبار إلى ضحاياها وليس إلى الناجين. أياً يكن، فالتجربة هنا قاسية على المُشاهد في كلّ الاعتبارات، اذ يضعنا الفيلم طوال ساعتين من الزمن في الجحيم. نعم في الجحيم.

يقول المخرج ان ملهمه الأول كان "تعالَ وشاهد" لايليم كليموف عن مجازر النازيين في روسيا البيضاء. الكاميرا طوال الوقت تلتصق بوجه غيزا روريغ، ولا تبتعد عنه الا في ما ندر. انه في كلّ الكادرات تقريباً. نراه يرى، ولكن لا نرى ما يراه، أو تقريباً. يحرمنا نمش من اللقطة المقابلة. هذا الرجل يُدعى شاوول، لا نعرف اسمه منذ البداية، ولكن أحدهم سيناديه به في الآخر. شاوول هو عضو في ما يُعرف بـ"السوندركوماندو"، فرقة خاصة من السجناء اليهود تتمثّل مهمتها في حرق جثث الضحايا، قبل ان يلقوا بدورهم المصير عينه. في حين يتهيأ بعض من هؤلاء لانتفاضة، يتنقل شاوول من مكان إلى آخر بحثاً عن حاخام يصلي على جثمان ابنه قبل دفنه. طوال ثلاثة ارباع الشريط، لشاوول هاجس واحد: دفن هذا الابن (لا نعرف اذا كان حقاً ابنه) بدلاً من القائه في المحرقة.

الفيلم كله تفاصيل صغيرة تجعله عملاً أشبه بخلية نحل. فأعضاء "السوندركوماندو" كان كلّفهم النازيون تعرية الضحايا واقتيادهم إلى غرف الغاز، ثم تنظيف المكان بسرعة قياسية، ذلك ان أفواجاً أخرى كانت في طريقها إلى المحرقة. في هذا الديكور المدهش، سيجري معظم فصول الفيلم الذي يخلق مناخاً ضاغطاً يصعب تحمّله، فيخرج منه المُشاهد متعباً، ليبلغ المخرج هدفه: إيصال المُشاهد إلى تجربة جسمانية، أخلاقية، سينمائية، قد تتطور إلى حدّ التروما. انه مصنع الموت حيث المكلفون محو الحياة يعملون كما في أي معمل. شاوول لا يفعل سوى تجميع الأغراض الشخصية للضحايا وهم داخل غرف الغاز. نشهد على تجواله داخل المتاهة وسط الدخان المتصاعد والنيران التي تأكل خلفية الصورة فتجعلها مغبشة. يُضاف الشريط الصوتي المتلف للأعصاب الذي يتشكّل من صرير أبواب ونباح وأصوات بشر يحترقون. في حين ان الكثير من أفلام الهولوكوست هي عن الحياة، يحشرنا نمش هنا بين الموت والموت، ولا مجال للفرار إلى أي مكان.

في حوار مع "النهار"، في العام ٢٠١٥، قال نمش: أعتقد انني مشبعٌ بالحكايات المرتبطة بالهولوكوست منذ نشأتي. في مرحلة، كنت غاضباً من عدم قدرتي على الفهم. كيف حلت بعائلتي وأقاربي تراجيديا مماثلة ولم أستوعبها بشكل كاف؟ من نجا منهم صار نصف بني آدم. مأساة كهذه تتناقلها الأجيال بلا ادراك كبير لمعناها وتداعياتها في النفوس. كنت أريد فيلماً يتوجه إلى الجيل الصاعد ليفهم ماذا يعني أن بشراً يفعلون مثل هذه الأمور ببشر آخرين. وضعنا التجسيد الكلاسيكي للهولوكوست خارج حسابنا الفنّي. بقيتُ بعيداً من استراتيجيا الناجي، فنحن لم نرد فيلماً عن الناجين بل عن الذين قضوا. هذا الحدث تعرّض للتشويه ما إن باتوا يصوّرون أفلاماً عن الناجين. انه حدث عن الموت وليس عن الحياة. كنت مقتنعاً بأنه تنبغي لنا العودة إلى الجذور، وليس رصد كلّ الأبجدية الهولوكوستية التي سادت في مرحلة ما بعد الحرب. قد يكون هذا الفيلم رداً على الأفلام الاخرى. حاولتُ قدر المستطاع أن أشيد بنية سينمائية تقاوم الجمال؛ جمال اللقطات والاكسسوارات ووسائل النقل ومعدات الحرب. عندما يجد المخرج نفسه أمام هذا كله، أعني أمام كلّ هذه الجماليات، يقول في نفسه: "هيا، لنصوّرها، لمَ حجبها؟". ينبغي التذكير بأن معسكرات الاعتقال أرضٌ خصبة للدراما، تضمن لصانعها تراجيديا نسبتها مئة في المئة. ومن السهل جداً تحويل هذه الدراما إلى متتاليات من الكليشيهات. فجأةً، تجد نفسك أمام مجموعة أفلام تستثمر الثوابت نفسها، بدءاً من الطائر الذي يحطّ على غصن. أستطيع أن أقدّم قائمة بالاغواءات التي نجدها في أفلام الهولوكوست وستكون قائمة من صفحتين. هذا الفيلم يُحدث قطيعة مع الجمال. قلنا: "لا للجمال، لا نريده".