السبت - 24 تشرين الأول 2020
بيروت 35 °

إعلان

ريم عكرا ترثي والدتها: أمي، ملاكي، رحلت الآن عن المكان الذي ربتني فيه ووجدت الراحة الأبدية

ريم عكرا- مصممة أزياء عالمية
ريم عكرا ترثي والدتها: أمي، ملاكي، رحلت الآن عن المكان الذي ربتني فيه ووجدت الراحة الأبدية
ريم عكرا ترثي والدتها: أمي، ملاكي، رحلت الآن عن المكان الذي ربتني فيه ووجدت الراحة الأبدية
A+ A-

ماما لطالما قامت برعايتي وحمايتي على الدوام. لقد رأت فيّ منذ نعومة أظافري فنانة مستقبلية من نظرات عينيّ المقدَرة للفن وحركة يديّ الحرفية، وحرصت على تعريفي وتعليمي أصول الفن وانفتاحي على مختلف أشكاله الملهمة، ووفرت لي الأدوات اللازمة لممارسة الحرفة التي اخترتها وأحببتها. في الخامسة من عمري، كنت أرافقها إلى أسواق بيروت لشراء الأقمشة، حينها عرفتني إلى نعومة ملمس الحرير، ثبات القطن وحيوية نقشات وزخرفات القماش الدمشقي. منذ صغري، علمتني فن عقد الصفقات والتفاوض مع أصحاب المتاجر لصرف ميزانيتي المتواضعة إلى أقصى حد ممكن. وفي السابعة من عمري، وبتشجيعٍ من ماما، صنعت أول تصميم لي وهو فستان إمبراطوري صغير مصنوع من الدانتيل. عندما أصبحت في سن العاشرة تقريباً، وبالرغم من إمكانياتنا المتواضعة، وظفت خياطة لتساعدني على تنفيذ إبداعاتي في التصميم. وعندما حان الوقت للالتحاق بالكلية، دافعت عن حقوقي في الانتقال إلى مدينة نيويورك التي أصبحت فيما بعد منزلي ولوحة إبداعاتي. وعلى المستوى العالمي، أصبحت أول مصممة أزياء عربية - وهي ثلاث كلمات لم يكن بالإمكان جمعها سوياً في ذلك الوقت.

أمي كانت سباقة ورائدة في طرق أخرى عديدة. لم يقتصر ذلك على طريقة تربيتها لأطفالها ورعايتهم بكل تفانٍ لتحقيق أحلامهم. ففي خمسينيات القرن الماضي، وفي ظل البيئة الشرق أوسطية المحافظة التي استطاع فيها القليل من النساء متابعة دراستهن العليا، عزمت أمي على متابعة حلمها متحديةً بذلك الأعراف المجتمعية. ماما ناديا لطالما حرصت على مساعدة الآخرين، لذلك كانت واحدة من أوائل الخريجات بشهادة التمريض والصحة العامة عام 1953 من الجامعة الأميركية في بيروت. وبفضل إصرارها وصمودها، مهدت هي ورائدات أخريات الطريق أمام جيل من شابات المستقبل لتحقيق أحلامهن في التعليم العالي.

لقد أمضت السنوات الثلاثين اللاحقة كممرضة صحة عامة في مركز الصحة الاجتماعية، وهو مركز للصحة العامة وصحة المجتمع تابع للجامعة الأميركية في بيروت ويتم تمويله من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية. في ذلك الوقت، كان هذا المركز رائداً في أهدافه ونموذجاً لمساعدة الأمهات الشابات الفقيرات في المجتمع المحلي على تغيير ثقافتهن الصحية، مواقفهن ودوافعهن من خلال تعليم الرعاية الصحية في المنزل.

في طفولتي، وفي كل مرة أسير فيها مع أمي إلى أي وجهة، كان يستوقفنا طفل اعتنت به سابقاً، أو دعوتها لشرب فنجان قهوة من قبل أم شابة كانت أمي قد أثّرت فيها بشكل إيجابي، كونها أرشدتها بوصفها ممرضة في الصحة العامة. كانت أمي تلبي الدعوة دوماً، ولا تبتعد مطلقاً عن ارتباطها بجميع أفراد مجتمعها وعن مسؤوليتها الاجتماعية ودورها كنموذج للتغيير.

ماما، أنتِ التي احتضنتنا، ألهمتنا ووجهتنا. أحبكِ كثيراً، وسيبقى حبكِ وذكراكِ في قلبنا إلى الأبد.

الكلمات الدالة