الأحد - 20 أيلول 2020
بيروت 31 °

حلّ الأزمة الماليّة والمصرفيّة اللبنانيّة

المصدر: "النهار"
منير راشد - رئيس الجمعيّة الاقتصاديّة اللبنانيّة
Bookmark
حلّ الأزمة الماليّة والمصرفيّة اللبنانيّة
حلّ الأزمة الماليّة والمصرفيّة اللبنانيّة
A+ A-

إن الحسابات والأرقام المتداولة يشوبها الكثير من الأخطاء والمبالغات. إن خسارات المصارف لا تتعدّى الـ13 مليار دولار باستثناء الضمانات، وليس 84 مليار دولار، وعجز ميزان المدفوعات المتوقع للفترة 2020-2024 لا يتعدّى ملياري دولار سنوياً في حدّه الأقصى على أثر سعر الصرف المتدهور، وليس 27 مليار دولار. والأزمة الأكبر هي في القطاع الإنتاجي من السلع والخدمات في مرافق عديدة. لدى مصرف لبنان ما يكفي لتمويل ميزان المدفوعات لعدة سنوات، باستثناء تمويل هروب رؤوس الأموال، ولكن مع تحرير سعر الصرف بالكامل ومنع هروب رؤوس الأموال، وخفض العجز المالي إلى الصفر.

ومن خلال قراءة الحلول المطروحة من مصادر عدة، أرى أن التركيز لحينه ينصبّ على معالجة النتائج للأزمة وليس تقديم حلول للأسباب التي أدت إلى الوضع الحالي. فالنتائج واضحة ومعروفة وتتلخص بالركود الاقتصادي والبطالة، إرتفاع الأسعار، إرتفاع العجز في ميزان المدفوعات لغاية 2019، وخفض الاحتياطي من العملات الأجنبية (الدولار) إلخ. ولكن الأسباب الرئيسسة تكمن في مجالين رئيسيين، هما العجز المالي (الفرق بين الإيرادات والنفقات للدولة) المتراكم منذ عدة سنوات، وسعر الصرف المثبت مقابل الدولار. وكلاهما حصيلة سياسات الحكومات المتعاقبة. إن هذه الصيغة كفيلة بإهلاك الاقتصاد، ونتج عنها الدين العام والفوائد المرتفعة، إضافة إلى عجز كبير في التجارة، في السلع والخدمات مع الخارج.

إن الحلول المطروحة تتجّه نحو معالجة النتائج، فتضع القيود على التمويل والسحب النقدي وتدفق رؤوس الأموال؛ أما الدين العام فتحلّ مشكلته بالأسلوب الخطأ من خلال حسم الودائع (هيركات على غرار إقتراح المؤسسة الاستشارية Lazard) وإنشاء صندوق لتخزين أصول الدولة كبديل ولكنه ذات مصير مجهول.

إن هذه الإجراءات لا تعطي نتائج إيجابية وإنما ترهق الاقتصاد وخاصة حسم الودائع. إن هذا الافتراض إذا ما طبّق يعني أن الدولة تتهرب من مسؤوليتها وترمي بالمسؤولية على المودع الذي دعم الدولة طوال سنوات عديدة. إن حسم الودائع سيقتل الاقتصاد ولا ندري النتائج الوخيمة التي قد تحصل.

في البدء، يجب توضيح الحسابات التي تعتبر خسارة لدى المصارف والتي قدّرت بـ 84 مليار دولار، فهي حسابات خاطئة من عدة نواحٍ. فقد اعتُمدت بالاستناد إلى افتراضات Lazard التي تعتبر أن خسارة مصرف لبنان بلغت 62 ملياردولار، وتوازي عملياته من الـseingniorage 41 مليار دولار، وخسارته من حيازته سندات الدولة المقدرة بـ 21 مليار دولار. بالنسبة الى مصرف لبنان وكذلك مصارف الدول الأخرى، لا يعتبر ضخّ السيولة في الاقتصاد خسارةً كونها تنفذ لتحقيق أهداف إقتصادية. كما أنه من المُبكر اعتبار حيازة مصرف لبنان سندات الدولة، ومعظمها يستحق في الأجل المتوسط، أصولاً هالكة. بينما قدرت خسارة المصارف بـ 31 مليار دولار من حيازتها لسندات الدولة وقروض متعثرة للقطاع الخاص. وهكذا يصل المجموع إلى 84 مليار دولار. كما افترض هذا الأسلوب أن حيازة البنوك من ديون الدولة والديون المتعثرة لا يمكن تحصيلها أو تحصيل ضمانات هذه الديون.

هذه أرقام وتقديرات غير واقعية؛ فقط الدين المتعثر البالغ نحو 13 مليار دولار للبنوك يصعب تحصيله فوراً، لكن تستطيع البنوك تحصيل الضمانات وخاصة العقارات والأصول الأخرى للأفراد والشركات. ومقابل هذه الخسارات ومعظمها وهمية، ارتكزت سياسة إعادة هيكلة المصارف على حذف هذه الأصول من الجهاز المصرفي بمقدار 84 مليار دولار مقابل حذف الودائع بقيمة مقابلة "هيركات".

إن حسم الودائع المقترح له عواقب وخيمة، فصاحب الوديعة هو المستهلك، وانخفاض أصوله تؤدي إلى انخفاض الانتاج والمزيد من البطالة. كما أن صاحب الوديعة هو المستثمر أيضاً، فحسم أصوله يؤدي إلى انخفاض الاستثمار والانتاج، وهذان يكون لهما وقع سالب على مالية الدولة، فتتدنى الإيرادات ويرتفع العجز المالي، ما يؤدي إلى الدخول في دوامة ارتفاع الدين والفوائد وضعف الاستثمار والانتاج. فما هي الحلول الآنية؟

أولاً: إن الحلّ الفعال هو أن نتجه إلى تعويم سعر الصرف في أسرع وقت ممكن لأن السعر الصحيح لأي مؤشر إقتصادي تحدده العوامل السوقية وليس السلطات. إن تحديد الأسعار ومنها سعر صرف العملة غير قادر على الاستمرار ولن يستطيع أن يتحدّى قوى السوق، وسيكون لها عاجلاً أم آجلاً أثر سالب على القدرة التنافسية، وتحوّل الطلب نحو السلع المستوردة كونها أصبحت سلعاً مدعومة.

إن السعر المحرر لسعر الصرف والأسعار الأخرى له فوائد عدة، إذ إنه يحوّل الطلب نحو السلع المحلية مما يحفزّ الانتاج والتوظيف والاستهلاك المحلي. ويشجّع أيضاً الاستثمار المحلي كون القدرة التنافسية تتعافى وترتفع حوافز الاستثمار. إضافة إلى ذلك، يوفر سعر الصرف المحرر على مصرف لبنان الحاجة إلى تخزين الدولار من أجل التدخل للحفاظ على سعر صرف ثابت، والضرورة لرفع الفوائد التي ترهق المستهلك والمستثمر.

في الفترة الأولى من تحرير سعر الصرف، تتأثر القدرة الشرائية للفئات ذات الدخل الثابت خاصة في القطاع العام، وهذا من الضروريات كون الإنفاق على رواتب القطاع العام هو من أعلى النسب في العالم إذ يبلغ 13% من الناتج المحلي. أما رواتب القطاع الخاص فسوف تتحسن بسرعة على أثر ارتفاع الانتاج المحلي وخلق الوظائف الجديدة وتعافي جميع القطاعات المتعثرة حالياً. كما أن تحرير سعر الصرف إضافة إلى توفير الدولار في الأسواق سوف ينهي الانتظار أمام المصارف للحصول على الدولار للاستفادة من فوارق سعر الصرف بين المصارف والصيارفة. ويجب أن يرافق تحرير سعر صرف الليرة تحرير المعاملات لتمويل التجارة الدولية والتي انخفضت وستنخفض بشدة على أثر تحرير سعر الصرف. بينما وفي الظرف الحالي يجب أن نحافظ على القيود المفروضة على خروج رؤوس الأموال.

ثانياً، على مصرف لبنان بالتعاون مع السلطة التشريعية أن يسعى إلى تأمين المزيد من السيولة بالدولار من خلال تخفيض الاحتياطي الإلزامي على الودائع بالدولار إلى 5% من 15% حالياً، وتسييل جزء من الذهب والذي يجب أن يعتبر جزءاً من الاحتياطي.

ثالثاً، من الضروري خفض العجز المالي للدولة بقدر كبير حتى يصل إلى توازن كامل بين الإيردات والنفقات في غضون فترة وجيزة لا تتعدى السنتين، ويجب أن يكون التركيز على الإنفاق وخفضه في جميع المجالات باستثناء الإنفاق الرأسمالي لكي لا يتعدى مجمل الإنفاق الـ 20% من الناتج المحلي. كما أن تحرير سعر الصرف سوف يحسن إيرادات الدولة في جميع المرافق وخاصة الاستيراد والدخل على أثر تعافي الاقتصاد.

رابعاً، على الدولة أن توطد ديونها في القطاع العام، فهذا يخفض من عبء خدمة الدين ويقلص نسبة الدين إلى الناتج الإجمالي إلى 100% من الدخل الكلي بدلاً من 160% حالياً.

تشير التقديرات الأولية إلى أن عجز ميزان المدفوعات سيتضاءل خلال الخمس سنوات المقبلة ويصبح تمويله التراكمي ذاتياً. أما أن النشاط الاقتصادي سيتعافى تدريجياً، وسيتجه سعر الصرف إلى الاستقرار.

الأهم هو الإصلاح، ويبدو أننا لا نقدّر الإصلاح بل نركز على الحصول على المساعدات الخارجية، وهذا هو عين الخطأ.

الكلمات الدالة