السبت - 19 أيلول 2020
بيروت 25 °

جبران باسيل يتأهّب للحُكم ما بعد كورونا... التموضع المسيحيّ والهيمنة من موقع الرئاسة

المصدر: "النهار"
ابراهيم حيدر
ابراهيم حيدر
Bookmark
جبران باسيل يتأهّب للحُكم ما بعد كورونا... التموضع المسيحيّ والهيمنة من موقع الرئاسة
جبران باسيل يتأهّب للحُكم ما بعد كورونا... التموضع المسيحيّ والهيمنة من موقع الرئاسة
A+ A-

مرة جديدة يقدم رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل نفسه مرجعية رئاسية، وكأنه ينطق باسم رئيسي الجمهورية والحكومة معاً. هذه المرة تحدث باسيل في زمن كورونا، بعد ما أرجئ ملف التعيينات في الحكومة إلى مرحلة لن تكون طويلة إذا قال "حزب الله" كلمته في الخلاف المسيحي الناشئ ضمن تحالف الممانعة، اي بين باسيل وبين رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، والإسمان يطمحان لرئاسة الجمهورية أو يتصارعان للفوز بدعم القوة المقررة في الحكم اليوم.

لماذا قدم باسيل مطالعة وكأنه يتحدث باسم الرئاستين الأولى والثالثة؟ الواقع أن توجههه الى اللبنانيين في كلمة عبر الإنترنت هي للقول أنه الرجل القوي المرشح لأن يكون في الموقع الأول لبنانياً، علماً أنه تمكن بدعم من "حزب الله" الذي لا يزال يعتبره الحليف الأول والشخصية المفضلة لديه، وان كان لم يضغط على أي من الطرفين المسيحيين في الخلاف الذي نشأ حول التعيينات، وأيضاً في ملفات لها علاقة بما يتركه فيروس كورونا من تداعيات على البنية المجتمعية اللبنانية وعلى واقع الجماعات الطائفية التي بدأت تبحث عن تكريس هيمنتها في ساحاتها، ومن بينها التيار العوني الذي بدأ مجدداً بطرح الفيدرالية.

تحدث جبران باسيل عبرالانترنت الى اللبنانيين، فعرض كل المسارات السياسية التي يريدها في زمن كورونا وما بعد كورونا. الطريقة التي اتبعها هي نفسها طريقة الامين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله من موقع مختلف، لكنه يسعى الى التوظيف أو إيصال رسائل معينة. يدرج كلامه في الصراع المبكر على رئاسة الجمهورية، إذ لا مشكلة في أن يكون الحجر نوع من إعادة التركيز على مستقبل التيار وتحالفاته وعلى موقعه في المعادلة، وفي التطلع الى الامساك بمفاصل الدولة من خلال الهيمنة ومن ضمنها التعيينات. ويقال في الملف الأخير مثلاً أن "حزب الله" لم يتمكن من إقناع أي من سليمان فرنجية وجبران باسيل بتنازل أحدهما للآخر، وهو لم يضغط لعلمه أن الأمور بدأت تأخذ مسارات مختلفة في زمن كورونا، وإن كان قادراً على حسم الصراع نظراً لدوره في هذه البيئات، وهو في الاساس لديه حسابات معينة في تركه مفتوحاً، لتأكيد أنه يشكل مرجعية القرار في حل أي من المشكلات في البلد.

في الاصطفافات الطائفية الجديدة، بدا أن الثنائي الشيعي لا يريد الفيدرالية، ليس لأسباب رفضها مطلقاً، إذ أنه وعلى رغم كل ما حدث منذ 17 تشرين لا تزال سيطرته شبه مطلقة في البيئة الشيعية، وهيمنتهما مترسخة، خصوصاً "حزب الله" بما يمتلكه من فائض قوة. وفي هذه النقطة لا يريد الحزب أن تكون الفيدرالية محاولة لتطويقه أو التفلت من قوته وهيمنته. أما الطرف الآخر أي حركة أمل، فهو يعمل لعدم السماح لرئيس الجمهورية ميشال عون وباسيل الاستئثار بكل ما يريدونه، خصوصاً في التعيينات، خصوصاً وأن أجواء الرئيس نبيه بري تعتبر أن رئيس الحكومة حسان دياب انقلب عليه في ملفات معينة.

ويشكل جبران باسيل في هذا السياق، حلقة رئيسية وفق سياسي لبناني خبير. فعندما يتحدث علناً، يظهر بالنسبة الى البعض انه يتحدث رئاسياً، وعندما يقول كلامه في الحكومة، فهو يوجه الى رئيسها كلاماً للالتزام به، لذا يعمل ألا يخرج حسان دياب من دائرة الوظيفة التي أتى من أجلها، فإذا ذهب نحو استقلالية معينة، يعني ان تجربته قد تنعكس على معركة الرئاسة، وهو ما لا يريده باسيل ولا غيره من القوى، إذ على الحكومة أن تبقى تحت سقف قوى الوصاية عليها أو المحور الذي دعمها وشكلها.

تحدث جبران باسيل لبنانياً لكن رسالته أيضاً للهيمنة مسيحياً في ضوء ارتداد رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، واعلانه مواقف تنحصر برد الفعل في مقاربة الملفات السياسية. وهذا يعني أن باسيل والتيار العوني نجحا في استدراج القوات الى رد الفعل من دون أن تتمكن من المبادرة. وهنا بدا باسيل انه غير مكترث لرد فعل القوات ولا اعتراضات سليمان فرنجية، حيث تخلو له الساحة مسيحياً.

قدم باسيل نفسه من موقع رئاسي، وحاول أن يتماهى مع خطاب نصرالله فهاجم المصارف وقدّم طرحاً حول عودة المغتربين، إضافة إلى طروحات مالية خصوصاً دعوته الى "الكابيتال كونترول ومفاوضة صندوق النقد الدولي، وسياسية نجح في تظهيرها في الشارع المسيحي، وحشر سليمان فرنجية في منطقته زغرتا وحمله مسؤولية التعطيل وعدم العودة إلى المصالحة. وارتفع بموقفه الى الهجوم أيضاً على تيار المستقبل والرئيس سعد الحريري، واعتبر ان تصرفه لا ينطلق من خلفية وطنية انما همه التعيينات والمكاسب المفترضة.

النقطة المفصلية التي يمكن استنتاجها من طروحات باسيل انه يفكر بالمرحلة المقبلة ما بعد كورونا، وكيفية بناء خاصية على المستوى اللبناني تنتهي بالفيدرالية، وبتكريسه موقعاً لا يتزحزح في الساحة المسيحية. لذا يسعى الى توظيف كل ما يما يتاح في عهد رئاسة ميشال عون وتوظيفها واستثمارها، ليس في التعيينات فقط، بل في سد بسري إضافة الى انتزاع صلاحيات واسعة لوزيره في الحكومة أي وزير الطاقة، فضلاً عن الاحتفاظ بصلاحيات مطلقة في ملف الكهرباء، ثم تثبيت نهج متكامل مع حزب الله، سواء في ما يتعلق بالمصارف، وتطويع رياض سلامة، إلى حسابات سياسية طبعاً. ولا بأس اذا تمكن من مصاردة انجازات ثورة 17 تشرين، فهو أعاد تعويم نفسه وبلورة خطاب سياسي لاستثمار نتائجها، وبالموازاة العزف على العصب المسيحي وانهاء أي مناهضة للتيار العوني والباسيلي.

يدعم جبران باسيل الحكومة من موقعه، فهو دعا الى اعطائها فرصة لترجمة خطتها للنهوض المالي والاقتصادي؛ ولكن من خلفيته السياسية، ولم ينس ان يعلن ان وقت الحسم واخذ القرارات قد حان في شهر نيسان، لتقرّ الخطّة في الحكومة وفي مجلس النواب والذي طالبه بعقد جلسات نقاش عن بعد وانهاءها. فالمنظومة السياسية المالية القائمة في البلد منذ بداية التسعينات، يجب أن تسقط بالنسبة إليه، بسياستها وبأشخاصها، ولا يصرف تهديد "أحد اركان المنظومة من خارج الحكومة باستقالة كل كتلته النيابية اذا لم يتم الإتيان بالأشخاص ذاتهم المحسوبين عليه!". المهم بالنسبة إلى باسيل اليوم "أن تحقق الحكومة ما عجزنا عن تحقيقه سابقاً في المال والاقتصاد والكهرباء والسدود والقطاع العام والموازنة والفساد والهدر". وهنا تكمن الهيمنة والوصاية...

[email protected]

Twitter: @ihaidar62

الكلمات الدالة