السبت - 19 أيلول 2020
بيروت 27 °

أيّ ساحة قد تختارها إيران للردّ على اغتيال سليماني؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
Bookmark
أيّ ساحة قد تختارها إيران للردّ على اغتيال سليماني؟
أيّ ساحة قد تختارها إيران للردّ على اغتيال سليماني؟
A+ A-

كثيرة هي المؤشّرات التي تدلّ إلى أنّ الأميركيّين يأخذون هذه التهديدات على محمل الجدّ، من بينها موافقة وزارة الدفاع على إرسال 3000 جنديّ أميركيّ إلى الشرق الأوسط كإجراء احترازيّ، واحتمال إرسال ما بين 130 و 700 جندي أميركيّ من إيطاليا إلى بيروت وفقاً لما قاله مسؤول عسكريّ لوكالة "أسوشييتد برس".

دائرة واسعة... سقف منخفض

بنت إيران مراكز نفوذ متعدّدة في دول الشرق الأوسط ممّا يسمح لها بتوسيع دائرة استهدافها للمصالح الأميركيّة. لكنّ الردّ المتوقّع سيراعي على الأرجح سقفاً محدّداً. أوضح الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب أنّ إدارته لا تسعى إلى تغيير النظام. بالتالي، إنّ ردّاً عسكريّاً إيرانيّاً يسقط جنوداً وديبلوماسيّين أميركيّين بين قتلى وجرحى سيدفع إدارة ترامب باتّجاه إعادة النظر بهذه المسألة.

قد لا يكون موقع النظام الإيرانيّ اليوم بالمستوى نفسه من الثبات الذي كان عليه قبل سنوات. فالتظاهرات الإيرانيّة أصبحت مشهداً متكرّراً بشكل كبير حيث تبذل السلطات المزيد من الجهود لقمعها مع مرور الوقت. بالتوازي مع اقتصاد منكمش يغذّي هذه الاحتجاجات، يساهم تضاؤل الموارد الماليّة بفعل العقوبات الأميركيّة في إصابة أسس النظام بمزيد من الوهن. لهذا السبب، ستركّز طهران على ألّا تكون ضربتها المحتملة مستدرجة لردّ فعل أميركيّ كبير. على الرغم من هذا المنحى، لا يزال أمام إيران عدد من الخيارات المتاحة أمامها.


عودة إلى قواعد اللعبة السابقة؟

إذا عادت إيران إلى "قواعد اللعبة" التي بدا سابقاً أنّ ترامب قابل بها، بإمكانها أن تستهدف مصالح حلفاء الولايات المتّحدة في المنطقة، بدلاً من المخاطرة باستهداف المصالح الأميركيّة المباشرة. قرأت إيران السلوك الأميركيّ بشكل خاطئ حين راحت تصعّد ضرباتها بعدما لم تردّ واشنطن على استهداف ناقلات النفط أو مسيّرتها أو آرامكو في الأشهر الماضية. لكن وفقاً لمنظور ترامب، لم يكن هنالك حاجة للردّ العسكريّ في ظلّ عدم سقوط خسائر في الأرواح. وهذا ما بيّنه الهجوم الأميركيّ على "كتائب حزب الله" ردّاً على مقتل متعاقد أميركيّ وعلى سليماني ردّاً على ما قالت إنّه كان يخطّط لاستهداف "مئات الأميركيّين". ربّما تستخدم إيران دول الخليج العربيّ كساحة للردّ.

ومع ذلك، لن يكون هذا الخيار سهلاً لأنّ دول الخليج دعت منذ فترة الى التهدئة. في تمّوز، زار وفد من خفر السواحل الإماراتيّ إيران للمرّة الأولى منذ ستّ سنوات لبحث التعاون الحدوديّ. وفي مقابلة مع شبكة "سي بي أس" الأميركيّة أواخر أيلول، قال وليّ العهد السعوديّ الأمير محمد بن سلمان: "أرجو عدم حدوث ذلك" في سؤال عمّا إذا كان الردّ على استهداف إيران لشركة "آرامكو" عسكريّاً. وأضاف: "الحلّ السياسيّ والسلميّ أفضل بكثير من الحلّ العسكريّ". واليوم، التقى وزير الخارجية الإيرانيّ محمّد جواد ظريف نظيره القطريّ محمّد بن عبدالرحمن آل ثاني. ورجّح المستشار والباحث في شؤون الشرق الأوسط الدكتور علي باكير بأن يكون للوفد القطريّ رسالة و/أو مبادرة لتخفيض التصعيد بين الولايات المتّحدة وإيران.

صعوبات

ما يصّعب خيار إيران بشنّ ضربة ضدّ أهداف خليجيّة تأثّر أسعار النفط بشكل كبير الأمر الذي يؤذي الصين بالدرجة الأولى إضافة إلى روسيا ودول صناعيّة أخرى بما يؤلّب العالم الغربيّ ضدّها. من ناحية ثانية، ستلعب روسيا دوراً على الأرجح في منع ضربة إيرانيّة على إسرائيل وتحديداً من سوريا، لتلافي تدهور الوضع القائم في بلاد هي أساساً تعاني من عقوبات تمنع عنها إعادة الإعمار. ويهدّد استهداف إيران لديبلوماسيّين أميركيّين على أراضي دول غربيّة بمضاعفة عزلتها. بدأ الأوروبيون يفكّرون جدّيّاً باللجوء إلى آليّة النزاع التي تسمح لهم بإعادة فرض العقوبات على إيران إذا واصلت تبرّؤها من بنود الاتّفاق النوويّ. بالتالي، يبدو لجوء إيران إلى الانتقام على أراضي دول أوروبية محفوفاً بالمخاطر بالنسبة إليها.


عصفوران بحجر واحد؟

يبقى العراق ساحة أساسيّة من ساحات النفوذ الإيرانيّ وقد تكون الأهمّ بالنسبة إلى طهران. التظاهرات التي أطاحت حكومة عادل عبد المهدي واستهدفت مقارّها الديبلوماسيّة أعلنت عن مرحلة سياسيّة جديدة يبتعد فيها العراق تدريجيّاً عن الفلك الإيرانيّ. يبدو الردّ على الأميركيّين في تلك البلاد الأقلّ كلفة على إيران، أقلّه من الناحية النظريّة. فزيادة الضغط على القوّات الأميركيّة في العراق يمكن أن يدفع ترامب إلى التفكير بتقليص عدد جنوده هناك. وهذا ما قد يعدّ إصابة عصفورين بحجر إيرانيّ واحد.

في تعليق ل "النهار" أشار باكير إلى أنّ "هنالك دوماً احتمالاً بأن تردّ إيران على الولايات المتّحدة في العراق بالنظر إلى حضور ونفوذ كلتا الدولتين هناك".

لكن مجدّداً، حتى هذا الخيار لن يكون سهلاً. يضيف باكير أنّ السؤال سيتمحور حول نوع وطبيعة الرد وما إذا كان رمزيّاً أو لا. إذا كان الردّ من العيار الثقيل، "فعندها سيعقّد أيضاً علاقات إيران مع العراق وقد يدفع واشنطن إلى الانتقام ممّا سيجرّ كليهما إلى مواجهة موسّعة الخطورة".

على أيّ حال، ووفقاً للباحث نفسه، "ستحسب إيران خطوتها التالية بحكمة شديدة قبل اختيار خيار كهذا قد لا تكون قادرة على تحمّل عواقبه".

بالتالي، إذا كانت إيران ستعتمد الحذر والحكمة لتفادي ضربة أميركيّة ذات عواقب كبيرة، هل يرتفع احتمال أن تلجأ طهران إلى وكلائها كي لا تكون في واجهة الحدث؟ قد يكون الأمر محتملاً. لكنّ فصل واشنطن بين إيران ووكلائها قد يكون عندها أقلّ احتمالاً.

الكلمات الدالة