عن الجامع العمري: تاريخ وحقائق

29 أيار 2019 | 10:20

الجامع العمري في بيروت.

بعد نشر نص الرّسالة الموجّهة من الدّكتور حسّان حلّاق إلى الأستاذ جمال عيتاني في صفحة اللواء بتاريخ 18 أيار 2019 ص10، حول مسألة "إزالة اللوحة الإعلانيّة المتضمّنة معلومات مزوّرة عن تاريخ الجامع العمريّ..." وبعد اشتداد النّقاش والرّدود حول الموضوع، أَجِدُ نَفسي مُضطَراً للرَّد إحقاقاً للحق وإنصافاً للتّاريخ.

مع احتِرامي الكَبير للدُّكتور حَلّاق، فقد جَاء في الرِّسَالة العَديد مِن المُغَالطات التَّاريخيّة، والملمُّون اليَوم بتَاريخ المَدِينة يَعرِفون جَيّداً أين، كيف ومن زوّر التّاريخ.

أولاً، لقد أَورَدَ د. حلّاق في رِسَالَتِه أَنَهُ لا يُمكن للمُسلمين أن يَدخلوا مَدينَة ويَبقوا فيها دون وُجود مَسجد لتَأدية صَلاتهم، وهذا صَحيح. فقد بَنى المُسلِمون مع دُخولِهم إلى بيروت قَلعَةً عِندَ البَحر، يُمكن رُؤيَة بَعض من أَثارِها شَرقي شَارع فُوش الحَالي، والتزموا فيها مُرابطين طِوال القرن الهِجري الأول، وجُعل لَهم مَسجِدٌ في جِوار ثُغرِهم، أي قُربَ قَلعَتِهم التّي عِندَ البَحر، دُعِيَ المسجِد العُمَري الشَّريف (الصَّغير) لأَنَّهُ بُنِيَ أَثَناءَ حُكمِ الخَليفة عُمَر بن الخَطّاب. ومِنَ الطَّبيعي أَن يَختارَ المُسلمون مَوضعاً مُرتَفِعاً كاشِفاً عند حُدودِ المَدينةِ الشَّماليَّةِ (البحر) لبِناءِ دِفاعاتهم -وبالتّالي مَسجِدهم-، كَونها النُّقطة الأضعف في مُواجهة الرّوم المنطلقين من جزر المتوسط بحراً، لذلك وَجُبَ تدعيمها.

ثانِياً، يَرويِ أبو الدَّرداء الأَنصَاري ما يَلي: "مَرابِطُ أهل الشَّامِ، إنَّهُم يُرابِطون في بَيروت. ومِن المَعروف أَنّ الرِّباطَ في الاسلام لا يُطلَق الا على الحِصن الذي يُقيمُ بِهِ المُجاهِدون المُتَطَوعون للدِّفَاعِ عَن بِلادِهم و الجِهَادُ في سَبيلِ دِينهم. ومِن أَشهر الذين رَابَطوا في بَيروت الامام عَبد الرَّحمَن بن عُمر الاوزاعي، إمَامُ أَهلِ الشَّام و المَغرب و الاندلس". والمَعروف عَن الإِمَام الأَوزَاعِي، الذي ذَكَرَه د. حلّاق، أَنَّهُ كَان إمَاماً ومُعَلِماً في مَسجِد بَيروت، فكَيفَ للإِمَام أَن يَبقَى بَعِيداً عَن مَسجِدِهِ أَثنَاءَ رِبَاطِهِ دِفاعاً عَن المَدِينة؟

ثَالثاً، نَستَشهِدُ بِقَول د. حلاق في كِتَابِهِ "بَيروت مَدينَة التَّسَامُح الدِّيني والحَضَاري": "مِنَ المُلاحَظ أنّ جَامِعَ الدَّباغَة عُرِفَ في بَيروت بإسمِ الجَامِعِ العُمَري الشَّريف، وهو غَير الجَامِع العُمَري الكَبير، وقَد أَشَار الشَّيخ الرَّحَالة عَبد الغَني النَّابُلسيّ بِأَنَّه سُمِّيَ بِهَذا الاسِم لأَنَّهُ بُنِيَ زَمَن الخَليفة عُمَر بن الخَطَاب، كَما أُطلِقَ عَلَيه إِسم جَامِع البَحِر لقُربِهِ مِن البَحر. أما تَسمِيَته بِإِسم جَامِع الدَّبَاغَة، فَلِقُربِه مِن مَحَلّة الدِّباغة التّي كَانَت تُدبَغُ فيها الجُلُود ومُشتَقَاتُه"(ص 79). والمَعروفُ عَن المَسجِد العُمَري الشَّريف (الصَّغير) أَنّه كَان الوَحيد في بَاطِنِ المَدينَة المُسَوّرَة: إذ بَعدَ سُقُوط الدَّولَة الأُمَوِيّة وإنتِقال الحُكم إلى أَيدي العَبّاسيين الذين عَمدوا إلى نَقل مَركَز الخِلافَة إلى بَغداد البَعيدَة عن بَيروت، تَراجَعت أَهَمِيَّةُ المَدينَة الدِّينيَّة، فلَم يَذكُر التَّاريخ بِنَاءَ أي مَسجِد فيها غَير مَسجِد بَيروت (أي العُمَري الشَّريف) وذَلِكَ حَتَّى بِدء الحُكِم الصَّليبي للمَدينة مع العَام 1110.

في العَام 1187، دَخَلَ صَلاح الدِّين الأّيّوبي إلى بَيروت فَوَجَدَ كَنيسة القِديس يُوحَنّا المَعمَدان الصَّليبيّة، فَصَادَرَها مُحَوّلاً إيَّاها مَسجِداً (وقَد استَمَر ذَلِكَ حَتَّى العَام 1197، عِندَما استَرَدّ الصَّليبيّون بَيروت حَتَّى العَام 1291)، وقَد عُرِفَ فيما بَعد بِجَامِع "فُتُوح الاسلام" او العُمَري الكَبير، تَمييزاً لَهُ عَن المَسجِد العُمَرِي الشَّريف (الصَّغير) القَديم، الذي تَهَدَّمَ مَع الوَقت بفِعل عَوامِل الطَّبيعة والإهمال الذي لَحِقَ بِه (لِقلّة عديد المُسلِمين في المَدينة). يَذكُر الرَّحَالة الشَّيخ عَبد الغَني النَّابلسي في كِتَابِه التُّحفَة النَّابُلسيّة في الرِّحلَة الطَّرابُلسيّة- ١٧٢٠م: "والجَوَامِع التّي بِها أربعَة: الأَول العُمَري الكَبير، وهو يَشتَمِل على إثنَي عَشَر عَضَاضَةً، كُل عَضَاضَةٍ يحوّطُها رِجال، وهي عِظيمَة العَمَارة، يُقال أنَّها في الأصلِ كنيسةٌ، وفي جانِبِه بِركة ماءٍ طويلةٍ كبيرةٍ […]. الجَامع الرَّابع جَامع البَحر، وسُمِّيَ جَامِع العُمَريّ لأَنَّهُ كان مَشهوراً عِندَهم مِن زَمَن السَّيد عُمَر بن الخَطَّاب" (ص 42). فَهَل يُعقَل أن يَكون الشَّيخ النَّابُلسي، الذي شَهد لأَصلِ المَسجِدِ العُمَري، مُشَارِكاً في تَزوير تَاريخ مَسَاجِد بَيروت؟


في هَندَسَة الجَامِع العُمَري الكَبير: بَعدَ سَيطَرَتِهِم عَلى المَشرِق، أَدخَل الصَّلِيبيون أُصُولاً هَندَسِيَّة جَديدَة، كَانَت أَبرَز تَجَلِيَاتِها في: طَرطوس (كَنِيسة العَذراء وَالِدَة الإِلَه)، جُبَيل (كَنيسة القِديس يُوحَنَّا مُرقُس) وبَيروت (كَنيسة القِديس يُوحّنَّا المَعمِدَان). والكَنَائِس الثَّلاث مُتَطَابِقَة في عِمَارتها وخَصَائِصِها: الحِنيَات الثَّلاث المُقَبَّبَة (حَسبَ النَّمَط البَازيليكيّ) المُتَّجِهَة نَحو الشَّرق، الجُدران الغَلِيظَة المُشَابِهَة للقِلاع، العُقُود المَحمُولَة على الأَعمِدَة المُزَخرَفَة والمُزَيَّنَة بتِيجان رُومَانيَّة،... واللَافِت أنَّه بَعدَ سُقُوط الكَنيسة بأَيدي المَمَاليك وتَحويلِها لمَسجِد، وَجُبَ تَغيير إتجَاه الصَّلاة فِيها: فالكَنيسة مَبنِيّة بإتِجَاه الشَّرق، بينما طَبيعَة الصَّلاة في الإسلام تَفرُضُ التَّوجه نحو القِبلَة (جَنوباً في بَيروت)، وهَذا ما يَتَنَاقَض مَع طَبيعَة المَبنَى وهَندَسَته الأساسيَّة، مِمَّا أفقَدَ الحِنيَات الثَّلاث دَورها كهَيكَل في هَندَسَة الكَنيسة، وهَذِه كُلّها تَشهَد لتَاريخ المَبنَى وأَصلِه.

يُمكِن تَحديد مَوقِع مَسجِد بَيروت الأول شَرقيّ مَسجِد أبو بَكر الصِّديق الحَالي في شَارِع فوش قُربَ قَاعِدَة بَيروت البَحريَّة، فيما يُعرَف بمِنطَقَة التَّل التَّاريخي، وهو غير العَمُري الكَبير الذي عِندَ شَارِع ويغان! وقَد أَورَدَ صَالِح بن يِحيا (تَاريخ الأُمَرَاء البَحتَريين في بَيروت- 1440) وعَبد الغَني النَّابُلسي (التِّحفَة النَّابُلسيَّة في الرِّحلَة الطَرابُلسِيَّة- 1720) في كِتَاباتِهم، ذِكر هذا المَسجِد (أي العُمَري الصَّغير) كأَقدَم مَسجِد بَنَاهُ المُسلِمون في المَدينَة، واصِفين ايَّاه ومَوقِعَهُ وهَندَسَتَهُ على أنَّهُ "أَحَد مَسَاجِد بَيروت الاربَعَة وأصغَرها حَجَماً، مَبني مِن الحِجَارَة المَعقودَة على تَلَّة مُشرِفَة على البَحر، يُرتَقَى إلى فِنَائِه بِسُلَّم خَمسَ عَشَرة دَرجَة، ثم ثَماني دَرجات".... فكَيف يُمكِن لمُؤَرِّخ بِيروتيّ أن يَقَعَ في كُل هذه المُغَالَطَات؟

أما الاسوأ، فهو أنّ يُنَاقِضَ المَرءُ نَفسَهُ، فالدّكتور حَلاّق سَبَقَ أن ذَكَرَ في كِتَابِه "أوقاف المسلمين في بيروت في العهد العثماني" (1985) أنّ "الجَامِع العُمَري الكَبير مِن أَثَار الصَّليبيّين، بَنَاهُ المَلِك بودوان سنة 1110 بإسم القِديس يُوحَنَّا المعمدان، على أطَلال مَعبَد رومانيّ قَديم"، فلِمَ هَذِهِ المَواقِف المُستَجِدَّة، وخِدمَةً لأَي غَايَةٍ؟

"الموس" وصل للرقبة... وأصالة تعترف!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard