الصاحب والصديق

20 شباط 2019 | 12:08

المصدر: النهار

يختلط الأمر علينا كثيراً بين مفهوم الصاحب والصديق، بالرغم من أن الفارق بينهما كالفارق بين المشرق والمغرب، ولكننا لا ندرك هذا المعنى إلا بعد فوات الأوان، أو بالأحرى بعد أن ينكشف لنا المعدن الحقيقي للشخص، بعدما يكون قد استطاع أن يلحق بنا أذىً نفسياً كبيراً، وكان سبباً في الشعور بالخبية والخذلان. ولطالما سألت نفسي لماذا لا نتروّى في اختيار الصديق؟ لماذا نأخذ أحدهم خليلاً لمجرد أننا تقابلنا مرة أو مرتين؟! لماذا نطلق على الأشخاص مسمى "أصدقاء" في حين أن ثوب الصداقة لا يتناسب معهم، ويكون فضفاضاً عليهم ولا يستحقون أن يرتدوه، بل من الأفضل أن يتركوه لأصحابه الحقيقيين الذين هم أهلٌ لها، وهي أهل لهم؟!.

الصاحب: كعُرف، هو مَن يرافقك في الطريق فحسب، بمعنى أن نذهب إلى الوجهة ذاتها سوياً بدلاً من أن يذهب كل منا وحده. باختصار، إذا كان طريقنا واحداً، فلماذا لا أسير مع فلان حتى لا أشعر بطول الطريق، فنتجاذب أطراف الحديث حتى نصل إلى المكان الذي نقصده دون أن نشعر بالوقت أو بالملل. وهناك مواقف كثيرة تحدث على غرار ذلك، ولكنك لا تتنبّه إليها إلا بعد فوات الأوان. مثل أن يلجأ الصاحب إليك في أوقات الامتحانات ليتفقّد ما فاته، أو من أجل أن تذيّل اسمه في دفتر الحضور والانصراف، وغيرها من الأمور التي تجعله يتودّد إليك لطلب المساعدة أو لقضاء حاجة، وهذا ليس عيباً، ولكن العيب كل العيب أنه بمجرد أن تنقضي تلك الحاجة، يختفي صاحبها كالزئبق إلى أن تظهر مشكلة جديدة.... وهكذا دواليك.

"صاحب المصلحة" هو الشخص الذي ترى وجهه في أوقات الرخاء والفرح. بمعنى أوضح، عندما تكون في أسعد حالاتك، أما دون ذلك فهو يلوّح لك بالمغادرة عندما يستشعر أن القدر قاب قوسين أو أدنى من أن يضعه في موقف قد يعرّيه أمام أصدقائه، فتراه يفرّ منك هارباً، كأنه بات سراباً اليوم، بعدما كان شاخصاً أمام عينيك بالأمس.

أما "الصديق الحقيقي" فقد خُلق من أجل الأوقات العصيبة والممرّات المظلمة. هو صاحب الحضور الطاغي في أوقات الافتقاد، هو السند في أوقات الضعف والانكسار، هو الجالس فوق رأسك حتى تشفى من مرضك، هو الكتف التي ترتخي لك لتضع رأسك عليها، بينما تلتفّ ذراعه ليحتضنك في عناق صامت يحمل في طياته الكثير من معاني الصداقة الوفية، هو الذي يستجمع قوته وطاقته من أجل أن يبثهما فيك في أوقات ضعفك، فيزيل من خلالها القلق والتوتر ليحل محلها الثبات والاطمئنان، هو اتزانك عندما تفقد صوابك، هو نقطة ارتكازك عندما يصيبك خلل، هو الذي يصحبك إلى الهداية عندما يسيطر عليك التيه والعته، هو عقلك الثاني عندما تصاب بالجنون، هو بصيرتك عندما تصاب بالعمى. وأخيراً، هو ذاك الذي يردّ غيبتك ولا يتحدث عنك بسوء، إنما يدافع عنك دفاع الجندي عن وطنه أثناء الحرب، هو قالب واحد، أمام وجهك مثل خلف ظهرك، لا يتغير ولا يتلوّن، إنما يبقى كأول مرة التقيته، لا يصبغه الزمان بصبغة الغدر، ولا تطرأ عليه ألوان الخيانة مع مرور الأيام.

"الرفيق قبل الطريق"، عبارة اختزلت كل ما نودّ قوله في الصديق بثلاث كلمات فقط لا غير، لا تأمن لأحد وتجعله يسير معك مشوار حياتك، بل اختبره أولاً، واصنع له الاختبارات، فإن اجتازها يمكنك أن تصطفيه صديقاً لك، أما إذا أخفق، فعليك إذاً أن تختار طريقاً مخالفاً لطريقه حتى لا تتقابلا ثانية. فمن الأفضل لك أن تسير وحيداً بدلاً من أن يسير بمحاذاتك شخصٌ يكنّ لك الغدر ويتوارى خلف مسمى الصداقة... ويبقى السؤال: هل يتبادر إلى ذهنك تلقائياً اسمٌ حال وقوعك في مشكلة أو إصابتك بمكروه، أم أن التشتت والحيرة يطغيان على فكرك لأنك تعلم في قرارة نفسك أنك لم تعثر، حتى الآن، على ذلك الإنسان الذي يمكنك أن تطلق عليه اسم "الصديق"؟!

أبو أحمد: لن نستسلم والصحف ستعود الى مجدها

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard