قضيّة جورج زريق: دفاعاً عن الحقيقة الصعبة

11 شباط 2019 | 17:50

المصدر: "النهار"

جورج زريق.

قيل كلامٌ سلبي كثير في إدارة مدرسة بكفتين الأرثوذكسية. وصُوِّرَ الوضع وكأنّ المدرسة مرتكبة خطأً جسيماً. ورأيتُ من باب الدفاع عن الحقيقة الصعبة أن أُدوّن هذه الكلمات التي أسوقها بروح التّرحم على نفس جورج وبروح التّعاطف مع أفراد عائلته وخصوصاً ابنته ذات الثمانية أعوام. هذه البنت التي لن تنسى يوماً أن والدها قد انتحر انطلاقاً من شعورٍ معيّنٍ كان يسكنه بسببها. لكنّي أريد أن أنظر إلى الموضوع من زاويةٍ ثانية.

أولاً، إنّ أحداً في الدنيا كائناً مَن كان، لم ولن يُقدِم على الانتحار بسبب إفادةٍ مدرسية أُعطِيتْ أو لم تُعطَ له. الانتحار عالمٌ قائمٌ بحدّ ذاته، وغالباً ما يأتي تتمّةً لمسيرة فيها الكثير من التوتّر والاكتئاب المتراكمَين. وهو، أي الانتحار، لا يكون ابن ساعته خصوصاً عندما يتمّ بطريقة نادرةٍ وصعبة مثلما حصل في حالة جورج زريق.

ثانياً، المرحوم جورج زريق يعرف، وكل الناس تعلم أنّ وزارة التربية والتعليم العالي قد أعفتْ التلاميذ المنتقلين من التعليم الخاص إلى التعليم الرسمي من واجب إحضار إفادة من المدرسة الخاصّة التي كان التلميذ منتسباً إليها. وزارة التربية حرّرتْ الأهل من هذا الطلب. لذا فإنّ مسألة الإفادة غير مطروحة في مثل هذه الحالة.

ثالثاً، إن التعليم المجاني في كل دول العالم هو من مسؤوليّة الدّولة وليس من مسؤوليّة المدارس الخاصة. وأريد أن أسجّل من باب الأمانة للتاريخ، أنّه في لبنان قامت المرجعيّات الدينيّة، على رغم الكثير من المآخذ عليها، بتأسيس مدارس مجّانية أو شبه مجانية، الأمر الذي كان يجب على الدولة أن تفعله. المقاصديّون فعلوا ذلك، والرهبان والراهبات قاموا بهذا العمل أيضاً. لذا فإنّ أياً من الأهل، إذا كان فعلاً يريد أن يُدخل أولاده إلى مدرسة خاصة، عليه أن يُدرك مسبقاً قيمة القسط السنوي وكلفة القرطاسيّة والأنشطة، وأن يقرّر ما إذا كان قادراً على تحمّل هذه الكلفة. أن يأملَ هذا الوالد أو ذاك في الحصول على مساعدة ماليّة محدودة من إدارة المدرسة، فهذا أمرٌ. أمّا أن يأمل أن يحصلَ على إعفاءٍ كاملٍ من القسط، فهذا شأنٌ آخر.

رابعاً، أودُّ أن أُضيء على حقيقة أكيدة هي أنّ المدرسة أعفتْ المرحوم جورج زريق من كامل القسط السنوي في العام الدراسي الماضي 2017-2018، كما أنّها لم تفرض عليه أيّ قسط ليسدّده في العام الدّراسي الحالي. كل ما طالبتْ به المدرسة كان زيارةً للرّاحل لإدارة شؤون الطّلاب ليتمّ الاتفاق على طريقة تسديد كلفة القرطاسيّة والأنشطة فقط. ليس ذلك فحسب، بل إنّ إدارة المدرسة كانت في وقتٍ سابق قد أعطت جورج عقداً لمدّة سنة كاملة عمِلَ فيها في المدرسة، وكذلك أعطتْ زوجته عقداً مماثلاً.

خامساً، إنّ مدرسة بكفتين تضمّ مايتي تلميذٍ وتلميذة فقط. ولا يختلف اثنان يفهمان بعضاً من علوم المال والاقتصاد، أنّ لمدرسة بهذا الحجم قدرات محدودة جداً على المساعدة. ومع ذلك فعلتْ المدرسة أكثر من طاقتها لتعليم ولَدَي المرحوم جورج.

أكتبُ هذه الكلمات ليس دفاعاً عن إدارة المدرسة، وليس بهدف تحميل أي شخص آخر مسؤوليّة ما حدث. لكنّي أقوله دفاعاً عن الحقيقة لكي لا ننصف الذين رحلوا على حساب الذين بقوا، ولئلّا تكون انفعالاتنا أقوى من قوّة المنطق فينا. رحم الله جورج زريق، ضحية الظروف الصعبة التي واجهته في حياته، وأعطى ابنته القوة على تخطي تداعيات ما حصل. لعلها الضحية الحقيقية في كل ما حصل.

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard