ميركل... النهاية المتوقعة

30 تشرين الثاني 2018 | 13:15

المصدر: "النهار"

ميركل (ا ف ب).

الكبار هم الذين يرسمون نهايتهم كما يريدون ولا ينتظرون التوقعات والأحداث والصدف لرسمها. فقد قررت المستشارة الألمانية ميركل أن ترحل وتخرج من الباب الكبير قبل أن يعلن الحزب والناخب نهايتها، وهي التي قالت ذات يوم إنني "لم أولد مستشارة لألمانيا".

ميركل التي لقبت بالمرأة الحديدية والمعجزة والبراغماتية، وتوجت في السنوات الماضية كأقوى إمرأة في العالم حسب مجلة فوربس الأمريكية؛ أعلنت يوم الاثنين 29 أكتوبر/تشرين الأول 2018 أنها لن تترشح مجدداً لرئاسة الحزب المسيحي الديمقراطي، والذي أمضت 18 عاماً من حياتها السياسية رئيسة له، وتأمل أن يكون خريف2021 بمثابة الفترة الأخيرة لها كمستشارة، وهي التي كانت تؤمن بأنه يمكن الجمع بين المستشارية ورئاسة الحزب.

ميركل التي كانت قادرة على تجاوز الصعوبات والأزمات خلال الفترات الثلاث من ترؤسها الحكومة الألمانية، كانت الفترة الرابعة الأصعب في مشوارها السياسي، عندما فشلت في الاستحواذ على النسبة المطلوبة لتشكيل الحكومة بعد انتخابات سبتمبر/أيلول 2017 لصالح حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) اليميني الشعبوي المتطرف، الذي دخل لأول مرة البرلمان (بوندستاغ) منذ 1945، ما اضطرّها إلى الدخول في مفاوضات شاقة وصعبة مع أحزاب (الخضر والديمقراطي الحر والحزب المسيحي الديمقراطي الذي تترأسه). وقد أطلق على هذا التحالف "حكومة جامايكا"، ولكن سرعان ما انهارت المفاوضات في بداياتها بين الأحزاب الثلاثة بسبب عدم الاتفاق على رؤية تحدد مستقبل ألمانيا الجديدة، ما اضطرّها إلى الدخول في تحالف آخر ثلاثي يضم كلاً من الحزب (المسيحي الديمقراطي والمسيحي الاجتماعي "البافاري" والاشتراكي الديمقراطي). وهذا الائتلاف يحكم ألمانيا حالياً، حيث كانت فترة التفاوض لتشكيل الحكومة الأطول في تاريخ ألمانيا.

وواجهت ميركل تحديات عديدة قد يكون آخرها هزيمة حزبها التاريخي وحلفائها في الائتلاف في ولايتي "هيسن غرب ألمانيا وبافاريا"، لكن الأخطر من كل ذلك فقدانها السيطرة على الحزب ومراكز القرار والقوى وفشلها في تمرير مرشحها المفضل في رئاسة الكتلة النيابية في البرلمان بالإضافة إلى أزمة اليورو وفتح باب الهجرة للعالقين على الحدود المجرية النمسوية في خريف 2015، الذين وصل عددهم إلى مليون شخص، مع شعورها بأن جزءاً من ناخبي الحزب انتقلوا إلى التصويت للأحزاب المتطرفة (كحزب البديل من أجل ألمانيا وحزب الخضر)، من منطلق الاحتجاج وليس القناعة، بسبب الغضب وخيبة الأمل والقلق. علماً أن الاقتصاد الألماني يحتاج إلى 200 ألف وظيفة سنوياً لكي يستمر كأقوى اقتصاد في أوروبا مع وجود 900 ألف وظيفة شاغرة.

السؤال الأهم في الفترة المقبلة هو: من سيخلف ميركل كرئيس للحزب؟ وهل تستطيع إكمال ولايتها إلى 2021؟

ميركل التي تولت منصب الأمين العام للحزب المسيحي الديمقراطي سنة 1998، أصبحت رئيسة له بعد أربع سنوات. وفي سنة 2005 فازت مع حزبها في الانتخابات لتصبح أول مستشارة لألمانيا. ورغم كل الصعوبات والتحديات والعراقيل، فقد استطاعت أن تحقق نجاحات كبيرة، خصوصاً على المستوى الاقتصادي ومسرح السياسة الدولية، ما ساعد على أن تصبح ألمانيا القوة الاقتصادية الأقوى في أوروبا. وتمتاز ميركل ببراغماتية وبحكمة، ودائماً ما تلجأ إلى الحلول الوسط، وأكبر دليل على ذلك هو جنوحها بحزبها من "يمين الوسط" إلى اليسار قليلاً حتى يتسنى لها تشكيل الائتلاف مع الأحزاب الأخرى خلال الفترات الماضية وخصوصاً مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي.

قد يكون خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست)، وصعود أحزاب اليمين الشعبوي المتطرف في أوروبا والتي تشكل حزاماً ممتداً من أقصى الجنوب الأوروبي في إيطاليا إلى أقصى الشمال في بولندا، مروراً بالتشيك والنمسا وهنغاريا، عوامل أسهمت في صعود الأحزاب الشعبوية المتطرفة في ألمانيا، التي استغلت أخطاء ميركل المتكررة (كحزب البديل من أجل ألمانيا وحزب الخضر)، ولم يكتف حزب البديل من أجل ألمانيا الذي دخل لأول مرة البرلمان الألماني في خريف 2015 بالفوز في ولايات الشرق، بل بدأ يحقق نجاحات وبصورة مرتفعة في كافة الولايات الألمانية منذ بداية 2018.

في السابع والثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2018 سيعقد في هامبورغ الموتمر العام للحزب المسيحي الديمقراطي لاختيار رئيس جديد لخلافة ميركل. وعلى ما يبدو فإن هناك ثلاثة مرشحين وهم الأبرز لقيادة هذا الحزب من ضمنهم وزير الصحة الحالي "فينس شبان" نقيض ميركل في سياسة الهجرة واللجوء والذي يبلغ من العمر 38 عاماً، وقد أصبح عضواً في البرلمان الاتحادي عام 2002، وبعدها أصبح متحدثاً باسم لجنة الصحة في الحزب المسيحي الديمقراطي حتى عام 2015. وقد يكون هو وراء تمرير قرار القضاء على ازدواجية الجنسية الممنوحة لبعض الشباب الأجانب منذ 2000، وهو "مثلي الجنس" وقد تكون فرص فوزه برئاسة الحزب اليميني المحافظ غير واردة.

أما المرشحة الثانية "أنغريت كرامب – كارنباور" أمينة الحزب وقليلة الشهرة ومرشحة ميركل المفضلة والمؤيدة لسياستها تجاه الهجرة واللجوء، وهي الرئيسة السابقة لحكومة سارلاند. فقد تحذو حذو ميركل إذا اختيرت رئيسة للحزب في سياستها الداخلية والخارجية.

أما الأكثر حظاً بالفوز كما تشير أغلب التوقعات والاستطلاعات كما يبدو، فهو "فريدريش ميرتس" ومن ألد أعداء ميركل والرئيس السابق للكتلة البرلمانية للحزب المسيحي الديمقراطي والحزب المسيحي الاجتماعي البافاري (التحالف المسيحي) رجل الأعمال والمحامي وهو ذو توجه "يمينى"، لكنه ليس من أقصى اليمين ويفضله رجال الأعمال في ألمانيا، وهو ذو كاريزما وقريب من المحافظين والشباب والذي تعوّل عليه قواعد الحزب لاستعادة شخصية وشعبية الحزب من جديد بعد جنوحه إلى اليسار. ويعتبر الحزب المسيحي الديمقراطي "يميني محافظ" حزب رجال الأعمال والاقتصاد وكبار السن والمناطق المحافظة، والذين لم يمثَّلوا خلال فترة ميركل التي اتجهت إلى الشريحة المتوسطة والنساء.

لكن يُعاب عليه أنه يتولى رئاسة مجلس الرقابة للمودعين الألمان بمؤسسة "بلاك روك" أكبر شركة لإدارة الاستثمارات في العالم والتي تشرف على إدارة أصول بـ 11 تريليون دولار.

ومن المؤكد أن ميركل سوف تواجه معضلتين في الفترة المقبلة لاستكمال فترة ولايتها إلى خريف 2021: أولاهما إذا فاز "فريدريش ميرتس" برئاسة الحزب، فقد لا تستطيع إكمال فترتها، وهو الذي يعتبر نقيضها في سياسية الهجرة واللجوء والرافض للائتلافات الكبيرة وخصوصاً مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي وهو المؤيد للاقتصاد الحر. وقد يعود للانتقام والتعويض بعد أن عزلته من رئاسة الكتلة البرلمانية 2002 حتى قرر اعتزال السياسة نهائياً في العام 2009.

أما الثانية فتتمثل في شريكها في الائتلاف الحاكم (الحزب المسيحي الاجتماعي) الذي يدرس حالياً الانسحاب من الائتلاف بعد الخسائر المتوالية في بعض الولايات، وخصوصاً في بافاريا، وإذا ما علمنا أن رئيس الحزب ووزير الداخلية "زيهوفر" دخل في صراع مع ميركل وهدد بالاستقالة من منصبة بشأن قانون الهجرة، إلا أنه عدل عن ذلك، واذا ما قررت الأحزاب الانسحاب من الائتلاف، فسيكون من الصعوبة على ميركل التفاوض لتشكيل حكومة جديدة والدخول في ائتلافات مرة أخرى، الأمر الذي يضطرها إلى تقديم الاستقالة والذهاب إلى انتخابات مبكرة.

لكن خطورة التوجه إلى الانتخابات المبكرة مع الخسائر المتتالية لحلفاء ميركل في الائتلاف، فإن هناك انتخابات مقبلة في سبتمبر/ أيلول العام المقبل في ولايتي "ساكسونيا وبراندنبورغ" يتقدم فيها حزب البديل من أجل ألمانيا المتطرف الشعبوي، الذي قد يصعد من المركز الثالث إلى المركز الثاني في البرلمان، وعندها قد يصبح تشكيل الحكومة المقبلة أكثر صعوبة.

ميركل التي تنازلت عن أغلب الوزارات السيادية (المالية والخارجية والعمل) خلال الفترة الرابعة من ولايتها للأحزاب الأخرى في الائتلاف، ومع عدم ترشحها لرئاسة الحزب الذي سوف يعقد مؤتمره في السابع والثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2018، فإن رهانها في الفترة المقبلة هو على مدى قدرتها على الاحتفاظ بمنصبها كمستشارة إلى العام 2021، لما عرف عنها بأنها ذات طابع براغماتي ودائماً ما تميل إلى الحلول الوسطية لكي تحذو حذو سلفها السياسي "هلموت كول" الذي ظل مستشاراً لستة عشر عاماً متواصلة، فهل تكون التغيرات على الساحة الأوروبية والألمانية وأخطاؤها المتكررة، بما فيها التقييم السلبي للأداء الحكومي الاتحادي، هي التي ستعصف بها؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard