وزارة العمل المنبوذة

9 تشرين الثاني 2018 | 11:39

المصدر: "النهار"

وزارة العمل.

ترددت "القوات اللبنانية" كثيراً قبل قبولها وزارة العمل من بين الوزارات التي عُرِضت عليها. حتى أن الكتل الأخرى التي جرت محاولة إقناعها لمبادلة وزارة العمل مع "القوات" مقابل التنازل لها عن وزارات أخرى أبدت رفضها لذلك.

بدت وزارة العمل منبوذة. فهي غير مُعتبرة "سيادية" ولا "خدماتية"، وقيل إنها غير "وازنة".

موقف الطبقة السياسية غير مستغرب. فالخفة التي تتعاطى بها هذه الطبقة مع العمل والإنتاج، أصبحت من الممارسات اليومية حيث تجري التضحية بأركان الاقتصاد حتى من أجل الحرتقات السياسية الصغيرة.

العمل والإنتاج ليسا من المسلّمات الوطنية حتى في الأوساط الشعبية. فلا يجري اعتبارهما أساس تقدم المجتمعات ونموها على المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية.

معروفٌ أن الإنتاجية في لبنان هي من الأدنى في العالم.

تطال مسؤوليات وزارة العمل ومهامها، أكبر شريحة من الناس ومن كل الطبقات الاجتماعية، وهي معنية بشروط عمل المواطنين وبوضعهم المعيشي، وهي تالياً من بين الوزارات الأكثر التصاقاً بحياة الناس اليومية.

ربما لهذه الأسباب يخاف السياسيون تسلّم مسؤوليات وزارة العمل، لأنها تطرح عليهم تحديات ملموسة أساسية، وخصوصاً في ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية الحالية التي تراكمت فيها المشكلات عبر السنين بدون معالجات جديّة.

ليس الغرض من هذا النصّ استعراض كل مسؤوليات وزارة العمل ومهامها. لكنني أريد التوقف عند ثلاث مؤسسات تُشرف عليها وزارة العمل للدلالة على الأهمية القصوى التي تتميز بها هذه الوزارة.

تُشرف وزارة العمل على أعمال لجنة المؤشر والمؤسسة الوطنية للاستخدام والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

الأبرز في هذه المؤسسات هي أنها ثلاثية التمثيل، تُدار من خلال حوار اجتماعي بين الدولة، والعمال، وأصحاب العمل.

لعلها المرحلة التاريخية المفصلية التي تحتاج فيها البلاد إلى حوار اجتماعي جدّي بين هؤلاء الأطراف الثلاثة لمواجهة الأزمة الاقتصادية وأخطار الانهيار أو الإفلاس التي تهدد البلاد.

يسمح الحوار في هذه المؤسسات الثلاث بمعالجة الكثير من القضايا.

فلجنة المؤشر لا تهتم فقط بـ"رصد قضية الغلاء وإعداد مؤشر دوري لتقلبات الأسعار"، بل تشمل مهامها "درس سياسة الأجور وتقديم المقترحات والتوصيات الآيلة إلى مكافحة الغلاء والحدّ من ارتفاع الأسعار".

كم نحن بحاجة إلى سياسة أجور تواكب المعالجات الاقتصادية والمالية وتعالج الخلل بين أجور القطاع العام والقطاع الخاص.

لا تنحصر وظيفة المؤسسة الوطنية للاستخدام في إيجاد وظائف للعاطلين عن العمل، بل "رسم وتنفيذ سياسة الاستخدام في لبنان بصورة عامة" و"المساهمة بتنظيم سوق العمل"، أي أن المؤسسة هي المكان المناسب لإيجاد حلول عملية لمشكلات البطالة والمنافسة الأجنبية للعمالة الوطنية، بدل ترك هذه القضايا مادة استغلال من السياسيين لا تخلو في الكثير من الأحيان من العنصرية.

أما الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي يوفّر تقديمات صحية وعائلية أساسية لنسبة كبيرة من المواطنين، فهو أيضاً بحاجة إلى حوار اجتماعي يؤدي إلى إصلاحات جوهرية إدارية ومالية وينقذ فرع المرض والأمومة من العجز كما يُقرّ نظاماً للشيخوخة طال انتظاره.

كما إن هذا الحوار يمكنه أن يبحث في أفضل السبل للاستفادة من فائض المال في الصندوق عبر سياسة إسكانية أو غيرها.

ربما توسّع الحوار إلى كيفية إيجاد سياسة تأمينات اجتماعية تشمل جميع المواطنين.

للأسف لا تعمل هذه المؤسسات الثلاث كما هو منصوص عليه في قوانينها، والحوار الاجتماعي في إطارها غير منتظم، كما بيّنا من خلال مشاركتنا في مشروع "تعزيز الحوار الاجتماعي" الذي يموله الاتحاد الأوروبي في إشراف وزارة العمل. ويعمل المشروع اليوم على وضع استراتيجيا للحوار الاجتماعي في لبنان تطال المؤسسات الثلاث وتسعى لتفعيل عملها.

أشاد البعض من داخل "القوات" ومن خارجها بأداء وزرائها في الحكومة الحالية كما انتقد البعض الاخر هذا الأداء. لكن "القوات" تبدو شديدة الحرص على تأكيد الأداء المميز لوزرائها. أمام "القوات" فرصة في الحكومة المقبلة ومن خلال تسلّم وزارة العمل لتقديم تجربة ناجحة في وزارة تطرح فيها الكثير من التحديات. ولْتَعرِف "القوات" أنها لو خسرت وزارة "العدل" فإنها ربحت وزارة "العدل الاجتماعي".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard