مهرجان البندقية الـ٧٥ افتُتح بفيلم عن نيل أرمسترونغ: لا جديد تحت ضوء القمر

30 آب 2018 | 20:51

المصدر: "النهار"

راين غوزلينغ في “أول رجل” لداميان شازل.

مساء الأول من أمس، كان موعدنا مع افتتاح مهرجان البندقية السينمائي في نسخته الخامسة والسبعين وهي تستمر حتى الثامن من أيلول المقبل في جزيرة الليدو التي لا تزال تشهد تحسينات لوجستية، فيما قلعة الفاشية الحصينة التي تؤوي المهرجان صامدة في وجه كلّ التغييرات وأعمال التحسين والتنكّر للماضي.

للمرة الثانية، في غضون سنتين، تُسند مهمة الافتتاح إلى المخرج الفرنسي الأميركي داميان شازل (٣٣ عاماً)، أما "أمركة" الافتتاح، فلم نعد نتذكّر حتى متى كانت آخر مرة انطلقت فيها الموسترا بفيلم غير أميركي. "أول رجل" هو الرابع في أعمال شازل الطويلة، بعد "غاي ومادلاين على كرسي متنزه" (٢٠٠٩) و"ويبلاش" (٢٠١٤) و"لا لا لاند" (٢٠١٦). أنه أقل أفلامه أهمية في رأيي، اذ مهما سيكال من مديح في حقه، يبقى انه يميل إلى منطق سينمائي متساهل ومساوم يستخدم كلّ مفردات الأفلمة الهوليوودية، من كيفية رسم الشخصيات إلى البنية الخطيّة، فيشرح كلّ شيء في اجابات حاضرة وواضحة، كي لا يبقى للغموض مكان ويغيظ المُشاهد. يعود "أول رجل" (مسابقة) إلى سيرة رائد الفضاء نيل أرمسترونغ (١٩٣٠ - ٢٠١٢)، أول كائن وطئ سطح القمر في رحلة "أبولو ١١" الاستكشافية في ٢٠ تموز ١٩٦٩. طبعاً، يتداخل في الفيلم العديد من الشؤون التنظيمية المرتبطة بالرحلة، كما الحياتية التي تخص أرمسترونغ، وكذلك السياسية التي تتعلق بالمشروع. يتحول واحد من أعظم تحديات الإنسان في القرن الماضي إلىدراما باهتة لا أجد عمّا أدافع عنه فيها سوى بعض المَشاهد حيث يظهر شازل حسّاً بصرياً معيناً (تصوير الأسوجي لينوس سندغرين). ولكن عموماً، وبإيجاز شديد، لا جديد فوق القمر. كلّ المواقف الدرامية التي نشهدها والبطولة الأميركية التي تم اختزالها بشخصية مترددة تعاني من الداخل، قد صُوِّرت وأعيد تصويرها، وتكررت وأعيد تكرارها. خلافاً لـ"لا لا لاند"، شازل لا يصنع دهشة هنا، علماً ان خطاً رفيعاً يعبر أفلامه الثلاثة الأخيرة في ما يخص تعاطيه مع الشخصيات، وهذا ما يؤكد انه أقرب إلى السينمائي المؤلف منه إلى الحِرَفي الشاطر.

في النهاية، يشبه "أول رجل" الرحلة التي يجريها أرمسترونغ إلى القمر. أو بالأحرى الرحلات الاستعدادية غير الموفقة التي ستتكرر وتتشابه طوال ساعتين وربع الساعة. فكلّ شيء يبدو انه في رأس هذا الرجل أكثر من كونه على الشاشة، مع صعوبة اقتحام ذلك الرأس الذي يعمل السيناريو جاهداً على تعزيز دراماتيكيته، مع الملاحظة انه آخر شخصية درامية على هذه الأرض (وعلى سطح القمر؟)، ما يزيد النصّ افتعالاً. باطنيٌ هو أرمسترونغ في رواية الفيلم المقتبس من كتاب لجيمس هانسن. هو باطنيٌ حتى عندما يذرف دمعة كبتها طويلاً على ابنته الصغيرة التي تموت في أول الفيلم وهي في عمر الثالثة، ويحاول النصّ اقحام المُصاب واستثماره ذهاباً واياباً بلا جدوى.

ولكن، بأي معنى يشبه فيلم شازل الحكاية التي يرويها؟ بمعنى انه بعد ساعتين من الترقب والملل والتكرار والمَشاهد التي يتبادل فيها أعضاء من فريق "الناسا" كلاماً تقنياً يهمّنا بقدر ما تهمّنا آخر موضة في مجال تسريحة الشعر في كوريا الجنوبية، يرسو المُشاهد، شأنه شأن أرمسترونغ،على أرض قاحلة، جوفاء، مفقرة، بشعة. فراغ كامل وشامل ولا شيء سواه! كأن العالم يعبس في وجهك… تأتينا الأشياء بلا أي انفعال سوى ذلك الذي يشحذه الفيلم في مَشاهد تحاول انتزاع العواطف بالقوة. حدّ ان أرمسترونغ نفسه لا يبدو مهتماً بالاكتشاف. نعرف جيداً، كما هي العادة في نوع سينمائي معين، ان بلوغ القمر ذورة العمل الفني من دون ان يكون هدفه.

أعترف بأني لم أستطع التقاط نيات المخرج هذه المرة، أو ان أمسك بالخيط الذي قد يخرجني من إطار الخطاب البسيط والمنقّح. لا يساعدنا البتة حقيقة ان الفيلم كلاسيكي المقاربة إلى حد الضجر، مع لجوء متكرر إلى الفلاشباك والشمل العائلي واقحام المأساة في لحظة رمزية وتصاعد الموسيقى التي تريد جرّنا إلى مكان معين. هذا كله، يجعلنا ننفر من الفيلم سريعاً.

هل يستحق "أول رجل" ان يفتتح أحد أهم المحافل السينمائية في العالم؟ لا اعتقد ذلك! ولو لم يكن من بطولة راين غوزلينغ الذي ضمنت مشاركته في المهرجان سجادة حمراء ذات برستيج، لتمّ دفع فيلم كهذا إلى الصفوف الخلفية. ولكن، كما نعلم، تظاهرة سينمائية كالموسترا لا تخلو من حسابات ومصالح توفر لها ترويجاً دولياً، وخصوصاً بعد تحولها في عهد ألبرتو باربيرا (المدير الفني منذ ٢٠١٢)، على الرغم من غرابة الأمر، إلى منصّة للأفلام الأميركية التي تتوق إلى دخول سباق الـ"أوسكار".

بعد عرض "أول رجل" على الصحافة التي تتعهّد بدءاً من هذه الدورة عدم الكتابة عن الأفلام المشاركة قبل عرضها الرسمي، عُقدت مؤتمرات عدة، واحد مع أعضاء كلّ لجان التحكيم الموازية، علماً ان رئيس لجنة تحكيم المسابقة الرسمية هو المخرج المكسيكي غييرمو دل تورو المكلل بجائزة "أسد ذهب" العام الماضي عن "شكل المياه". قال دل تورو انه رئيس لجنة تحكيم وليس ديكتاتورها، وعندما سُئِل عن نغمة "نتفليكس" التي لا تزال أصداؤها تتردد بطريقة تدعو إلى الاستغراب وتطاردنا من مهرجان إلى آخر وكأنه لم يعد هناك همّ سينمائي آخر، ردّ ان المهم هو كلّ شيء داخل الشاشة؛ فأي شيء خارجها قابل للنقاش وتحتمل الآراء، ولكن لا يُمكن ان يكون فاصلاً في قراره. أما في قضية ضآلة الحضور النسائي التي بدأت تلاحق المهرجان منذ الاعلان عن البرنامج وتحولت إلى إتهامات بالترويج للذكورية ممّا جعل باربيرا يهدد بالاستقالة، فردّ رئيس الموسترا باولو باراتّا ان المشكلة حقيقية ومتجذرة في مجالات أخرى كذلك ولا بد ان تجد علاجاً، وكشف ان الأفلام التي صنعتها أياد نسائية والتي تقدمت إلى ادارة المهرجان بلغت ٢١ في المئة من المجموع. على هذا الكلام أضاف دل تورو دعمه لحضور المرأة في السينما عبر القول بأنه ينتج حالياً خمسة أفلام،ثلاثة منها اخراج سيدات.

وكانت للممثلة البريطانية فانيسّا ردغرايف اطلالة على الصحافة تمهيداً لتكريمها في هذه الدورة. بعمر الـ٨٠، حققت ردغرايف فيلمها الأول، "أسى البحر"، الذي عُرض في كانّ العام الماضي. ردغرايف من عائلة فنانين عريقة، لها مواقف سياسية لم تخشَ يوماً الاعلان عنها، تناصر قضية فلسطين وموضوع اللجوء الذي ركّزت عليه خلال المؤتمر، فأخبرتنا كيف ان حكومة بلادها التي رفضت في الماضي تكريمها لها، كانت ترحّب باللاجئين خلال الحرب العالمية الثانية على عكس ما تفعله حالياً.

أخيراً، من المتوقع ان تكون الدورة الخامسة والسبعون من أقوى دورات الموسترا، مع مشاركة قامات كبيرة ومعتبرة فيها. فبعد "روما" للمكسيكي ألفونسو كوارون (ترى كيف سينصف دل تورو صديقه كوارون من دون ان يُتَّهم بالتحيز لصالحه؟)، هذا الفيلم المشبَّع بفصل من تاريخ المكسيك الحديث، أي السبعينات، من خلال عيني خادمة تعمل لدى عائلة ميسورة الحال، نحن في انتظار جديد بعض القامات الكبيرة: "شروق" للمجري لازلو نمش، "بترلو" للبريطاني مايك لي؛ "الأخوات الشقيقات" للفرنسي جاك أوديار، و"سوسبيريا"للإيطالي لوكا غوادانينو، "على بوابة الأبدية" لجوليان شنايبل، "المفضَّلة" لليوناني يورغوس لانثيموس. باختصار: مائدة من ٢١ فيلماً في المسابقة، سيجد فيها سينيفيليو العالم سعادتهم خلال الأشهر المقبلة.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard