الاستراتيجية الأميركية لإسقاط النظام الإيراني

21 تموز 2018 | 21:04

المصدر: النهار

أخذت العلاقات الأميركية الإيرانية منحىً سيئاً بعد تبوّؤ الرئيس الأميركي دونالد ترامب سُدّة الرئاسة. هذا الأمر نابع من استراتيجية أميركية تهدف إلى إسقاط النظام الإيراني على الأمد المتوسّط إلى البعيد، من خلال العمل على عوامل داخلية وخارجية. واللافت في الأمر أن هذه الاستراتيجية تقابلها استراتيجية إيرانية تهدف إلى صمود إيران على المدى المُتوسّط بانتظار انتهاء ولاية ترامب.

التعاون الأميركي الإيراني يعود إلى زمن شاه إيران محمد بهلوي الذي اتّسم بولعه بالغرب، والذي قدمّ تعاونًا مُطلقًا مع الولايات المُتحدة الأميركية من خلال إعطائها امتيازات عسكرية، سياسية واقتصادية. ومن أهم هذه الامتيازات السماح لها بإنشاء قاعدة عسكرية شمال إيران بهدف مواجهة الاتحاد السوفياتي، ولكن أيضًا النفوذ القوي للأميركيين في الحياة السياسية الإيرانية.

عند انتخاب محمد مصدّق رئيسًا للوزراء في إيران، قامت الولايات المُتحدة الأميركية بدعم انقلاب عسكري ضده أعادت من خلاله الشاه محمد بهلوي إلى السلطة، فبقي في الحكم إلى العام 1979 تاريخ الثورة الإسلامية في إيران. خلال هذا الوقت، قامت الولايات المُتحدة الأميركية وبريطانيا بنقل الخبرة النووية إلى الشاه من خلال تدريب مئات المُهندسين الإيرانيين على التقنية النووية، كما وبيع الولايات المُتحدة الأميركية مفاعلاً نووياً إلى إيران. أيضًا ساعدت هذه الدول إيران على إنشاء جهاز مخابراتي (سافاك) كان الضامن الأساسي لاستمرار حكم الشاه بهلوي.

فرضت الثورة الإسلامية في إيران معادلة جديدة في العلاقات الثنائية مع تصريح آية الله الخميني أن الولايات المُتحدة الأميركية هي العدو الأول للبشرية وللإسلام، مُستخدمًا شعار "الموت لأميركا". هذا الواقع أدّى إلى تدهور العلاقة بين الدولتين بشكل غير مسبوق، حيث تمّ قطع العلاقة بينهما في العام 1980 على أثر احتجاز موظفين في السفارة الأميركية في طهران (تمّ إطلاق سراحهم في العام التالي).

الحرب الإيرانية – العراقية دفعت بالأميركيين إلى دعم صدام حسين ضد النظام الجديد في طهران والتي انتهت باستنزاف الدولتين. وبعد وفاة الإمام الخميني، تسلّم المرشد آية الله علي خامنئي زمام السلطة، لكن لم تتغيّر السياسة الإيرانية تجاه الولايات المُتحدة الأميركية والعكس بالعكس. 

الفترة التي تلت حرب الخليج الأولى، شكّلت تعاون الولايات المُتحدّة الأميركية وإيران في محاربة نظام طالبان في أفغانستان، خصوصًا على الصعيد العسكري، نظرًا للواقع الجغرافي الإيراني، ولكن أيضًا نظرًا للنفوذ الإيراني على بعض الفصائل المُسلّحة داخل أفغانستان. هذا التعاون لم يُعطِ مفعولًا إيجابيًا للعلاقة الثنائية بين أميركا وإيران، إذ أن الرئيس الأميركي جورج بوش صنّف إيران، العراق وكوريا الشمالية في العام 2002 بـ "محور الشرّ"، وهذا ما جعل العلاقات تسوء أكثر على الرغم من دعوة الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي إلى الحوار مع الأميركيين. ويُمكن القول إن إدارة الرئيس بوش كانت الأكثر عداوة للنظام الإيراني، حيث قدّمت السلطات الإيرانية العديد من التنازلات دون جدوى مع انتشار فكرة في الإدارة الأميركية مفادها أن القوّة الأميركية قادرة على مواجهة أي قوّة صاعدة.

العلاقات مع إدارة الرئيس أوباما ربما كانت أقل سوءًا ووصلت إلى حدّ توقيع إيران ودول الخمس + 1 على الاتفاق على برنامج إيران النووي. ويصف البعض أن هذا الأمر هو نتاج تغيّرات في الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسطّ، لكن التطوّرات التي يتسمّ بها عهد الرئيس الأميركي ترامب تبين أن هبوط نسبة الحدة في العداء بين الدولتين والاتفاق النووي لم يكونا سوى مرحلة في رحلة إخضاع النظام الإيراني.

الاتفاق النووي كان له حسنة كبرى (بحسب الأوروبيين) ألا وهي إخضاع البرنامج النووي الإيراني للرقابة الدولية، حيث إن العالم كان مُتخوّفًا من العداء الإيراني لإسرائيل خصوصًا مع تصريحات الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد أن إسرائيل هي سرطان يجب إقتلاعه من المنطقة. في المقابل، كانت إيران موعودة برفع العقوبات عنها والاستفادة من الاستثمارات الخارجية بهدف العودّة إلى الساحة العالمية من بوابة الاقتصاد وهي الغائبة منذ عقود.

إلا أن إعلان ترامب في العام 2017 اعتماد استراتيجية جديدة في التعامل مع إيران غيّر كل هذه الصورة، واعتبر البيت الأبيض أنها ضرورة نظرًا لعدم احترام إيران للاتفاق النووي والذي كان أبرز خروقاته التجارب التي أجرتها إيران على الصواريخ الباليستية، ودعم "القوى المُسلحّة التي تُزعزع الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط"، وخصوصًا جيرانها، ودعم النظام السوري، والعداء لإسرائيل، والهجمات الإلكترونية ضد الولايات المُتحدة الأميركية وحلفائها.

الاستراتيجية الأميركية التي تظهر من خلال التصريحات الأميركية ومن خلال الخطوات التي تقوم بها الإدارة الأميركية، تُشير إلى أنها مبنية على محورين:

أولًا – خارجيًا من خلال (1) الخروج من الاتفاق النووي، وهذا ما يسمح لها بالقيام بالخطوات الأخرى؛ (2) عقوبات اقتصادية تمنع طهران من الاستحصال على المنتوجات الغذائية، الأموال والتكنولوجيا، ما يزيد الضغط الداخلي؛ (3) ضغط دبلوماسي عالمي عبر تكوين كارتيل من الدوّل الغربية لمؤازرة الولايات المُتحدة الأميركية في خطواتها وبالتالي (4) منع أي دعم خارجي قد يُريح النظام الإيراني.

ثانيًا – داخليًا من خلال (1) الانجراف الاقتصادي (Economic Implosion) والذي يأتي من خلال حرمان الاقتصاد الإيراني من التمويل والسلع والبضائع التي قد تُساهم في تطويره أو سدّ حاجة الإيرانيين؛ (2) تشجيع المعارضة وتوحيدها للتظاهر ضد النظام الإيراني وخلق موجة احتجاجات كبيرة تُضعف النظام أمام المُجتمع الدوّلي؛ و(3) تشجيع المقاومة المُسلّحة إن من معارضين داخل الجيش الإيراني أو من مدنيين.

هذه العوامل بحسب الاستراتيجية الأميركية قد تؤدّي إلى تضعضع النظام الإيراني وتراجعه عن مواقفه السياسية والخضوع للمُجتمع الدوّلي وطلباته، وذلك في أفق زمني متوسطّ إلى طويل.

والظاهر من خلال المواقف الإيرانية، أن النظام الإيراني فهم هذه الاستراتيجية إذ عمد إلى استراتيجية دفاعية مبنية على عدّة محاور:

أولًا – التأثير على سوق النفط عبر رفع الأسعار العالمية وهذا ما تحمله تهديدات إيران بإقفال مضيق هرمز الواقع جغرافيًا في العمق الإيراني. وهذا يؤدّي إلى زعزعة الاقتصاد الأميركي وبالتالي تراجع الولايات المُتحدة الأميركية عن مخططها؛

ثانيًا – المُحافظة على علاقة قوية مع بعض الدوّل الكبرى مثل روسيا ودول الاتحاد الأوروبي بهدف إنقاذ الاتفاق النووي حتى ولو كان بحاجة إلى بعض التنازلات من قبل إيران؛

ثالثًا – توطيد العلاقة بين إيران وبعض الدول القريبة (تركيا، العراق، أفغانستان...) والبعيدة (بعض دول جنوب شرق أسيا) بهدف تأمين حدّ أدنى من التعامل التجاري يضمن لإيران دخول العملة الصعبة والسلع والبضائع الأساسية.

وتهدف إيران من خلال هذه الاستراتيجية إلى تجاوز العقوبات الأميركية حتى نهاية ولاية ترامب على أمل أن يكون الرئيس المُقبل أكثر انفتاحًا تجاه إيران من دونالد ترامب.

ويبقى القول إن نجاح الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران مرهون بتناغم شركاء الولايات المُتحدة معها. أما نجاح الاستراتيجية الإيرانية فيبقى مرهونًا بقدرة تحمّل الشعب الإيراني والتفافه حول النظام.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard