المايسترو والأوركسترا

2 شباط 2018 | 15:39

المصدر: "النهار"

الصورة لأمين الباشا

ما جرى في لبنان خلال الأيام الفائتة، منذ بدعة الوزير المتهوّر المتعامي المالك سعيداً ببَرَكةٍ من أولياء أمره، وأولياء أولياء أمره، وما تلاها من منجزاتٍ مسبوقةٍ وغير مسبوقة، لا تشرّف فاعليها، كما لا تشرّف محرّكيها وطوابيرها، من رعاةٍ ومشاريع وضعِ يدٍ واستيلاءٍ وتخريبٍ وتأجيج، يذكّرني بعبقرية المايسترو الذي يجعل الأوركسترا تنفلت في سديم العدم، ليعود فينتشلها ويستدرجها إلى جاذبية التناغم والتكامل والوئام والسلام. أهو ياسر، أم رستم، أم غازي، أم خليط الأشخاص هؤلاء، أم نسيج وحده الذي لم يسبق له صنوٌ ولا مثيلٌ في الزمان وفي المكان!

والمايسترو لا ينام. يغمض عيناً ويفتح أخرى. ثمّ يفتح الأولى ليغمض الثانية. وهكذا. بالتساوي والتنوّع ضمن الوحدة. ما أجمل التساوي والتنوّع ضمن الوحدة!

وهو المتحكّم الليّن العارف بزيوت المفكّات والبراغي، وبشحوم المفاصل وآلات الفصل والوصل.

وهو الملمّ اللطيف بأحوال الأفراد والمجموعات، والمتدارك الدائم لهواجس الجوقة، وهي الكورس أو الكورال، حيث يجمع الكلّ في الكلّ، ويضع الكلّ في الكلّ، ومن أجل الكلّ.

ما أجمل هذا المايسترو!

وأظنّه – يا لسذاجتي - يضجر حيناً، أو يتعب، أو يحمله الملل على الانصراف إلى أعمال أخرى. وقد أظنّه يستسلم، أو ربما يشاء أن يترك الإيقاع يأخذ مجراه، فائضاً هنا، وملجوماً هناك.

لكن كم يخطئ الظن. وهيهات.

فذلك كلّه، ومعاً، من رهافة الحدس والذكاء ليس إلاّ. فليس لقائدٍ أن تندرج أفعاله في محنة المزاج. ولا في أبواب الغفلة.

وإذا تراءى أن ثمة بعضاً من أحوالٍ فالتةٍ، ملتبسةٍ وغامضةٍ، تُترَك على الغارب في تصرّفات السادة، فإنما ذلك، ولا بدّ، لعلّةٍ في نفس يعقوب. أو لتسرّبٍ غير محسوبٍ من أحد.

يغيب دائماً عن الواحد منا، كم يتصاخب في القلوب من أسرارٍ ومشاعر وخفقاتٍ وخفايا. فإذا كانت هذه في الأعمّ الغالب أحوال القلوب لدى جمهور العوام من الناس، كيف إذا كان القلب المعنيّ هو قلب المايسترو، الذي يخفق بالقلوب جميعها، معاً وفي آنٍ واحد.

أعترف أني لا أستخدم التلفزيون إلاّ إبحاراً في مهماتٍ نفسيةٍ ومزاجيةٍ محددة. منها أني من عشّاق مشاهدة قنوات الموسيقى الكلاسيكية والجاز والأوبرا، حيث أمضي شطراً من ليليَ، وبعض نهاري، مسروقاً، ومأخوذاً بالإنصات إلى ما تبثّه هذه القنوات من روائع الفن ومآثره الخالدة.

فضلاً عن الموسيقى، ووقعها العميق الأثر في نفسي وجسمي، كم تستهويني شخصية المايسترو، فأروح ألاحق حركاته، وأروح ألهث وراء إيقاعات يديه، ونواحي جسمه، وتغضّنات وجهه. حتى لكأنني في حالٍ من السحر يأخذ بي كلّ مأخذ.

لستُ أدري لماذا أدمج بين أحوال لبنان وأحوال الأوركسترا. علماً أن لا شيء يوحّد بين الأحوال هذه والأحوال تلك، إلاّ الفكرة التي كوّنتُها عن المايسترو الذي يقود الأوركسترا، ويمنع الخروج على النوطة، أو الوقوع في النشاذ.

على أني إذ أغبط مايسترو الأوركسترا في الفرق السمفونية، لا يسعني إلاّ أن أغبط مايسترو لبنان الذي، كلما استشعر خروجاً على السكة (النوطة)، أو استفحالاً لنشاذ، هبّ بجموع ليونته، بأدوية ذكائه، بحشود أفكاره، بمواهب يديه، وبعصا إيقاعاته المدوزنة، من أجل أن يضبط الأمور، ويعيد الأحوال إلى سابق نصابها الأمين.

كدتُ – يا لقلة حيلتي - يستولي عليَّ الرعب من جرّاء انفلات الزمام اللبناني في الأيام الفائتة، بسببٍ من فجورٍ هنا وهناك.

لولا أني هرعتُ إلى الشاعر أبي فراس الحمداني مطمئناً:

سيذكرني قومي إذا جدّ جدّهم/ وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر

والبدر هو بدر الأوركسترا، وعلّة انتظام خفقان القلب فيها، وانسجام الأعضاء.

وهو المايسترو. فما أجمله! وما أحلاه!

akl.awit@annahar.com.lb


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard