لماذا يمانع العرب الاستقلالية النقابية؟

4 كانون الثاني 2018 | 10:33

المصدر: "النهار"

هذا النص هو جزء من كتيّب حول "النقابات المستقلة في المنظمة العربيّة"، يصدر قريباً عن الاتحاد الدولي لنقابات الخدمات العامة. ويتضمّن مفاهيم وأفكارًا سيجري التوسّع في عرضها وتحليلها في نصوص أخرى من هذا الكتيّب، وترد هنا كمقدمات حول موضوع الاستقلاليّة النقابيّة. 

مفهوم الاستقلاليّة النقابيّة

لا يوجد مفهوم معتمد دوليًّا للاستقلاليّة النقابيّة. نعرض في ما يأتي تعريفًا عامًا مطروحًا للنقاش: "تعتبر المنظمة النقابيّة مستقلة عندما تكون قادرة على إتخاذ جميع قراراتها وممارسة انشطتها باستقلاليّة تامة عن أيّ طرف خارجي ولا سيما الدولة، أصحاب العمل، والأحزاب السياسيّة. إن قرارات المنظمة النقابيّة يجب أن تكون تعبيرًا حرًّا عن توجهات الأعضاء، وهذا لا يتم إلاّ إذا كانت النقابة ديموقراطيّة. من هنا العلاقة الوثيقة بين مبدأ الاستقلاليّة ومبدأ الديموقراطيّة.

الحريات النقابيّة

الاستقلاليّة النقابيّة هي الشرط الأول لممارسة الحريات التقابيّة التي نصت عليها اتفاقات منظمة العمل الدوليّة ولا سيما:

الرقم 87: "حول الحرية النقابيّة وحماية حق التنظيم النقابي لسنة 1948".

الرقم 98 : "حول حق التنظيم والمفاوضة الجماعية لسنة 1949".

الرقم 135: "بشأن توفير الحماية والتسهيلات لممثلي العمال في المؤسسات لسنة 1971".

أهم هذه الحريات:

- حقوق العمّال أجمعين، من دون أي تمييز أو تفرقة أيًّا كان نوعها في تشكيل التنظيمات والانضمام الى تلك التي يختارونها (حق التعدّدية النقابيّة) من دون الحاجة الى ترخيص مسبق.

- حق النقابات في وضع الدساتير واللوائح الخاصة بها، وانتخاب ممثليها بكل حريّة، وتنظيم إدارتها وأنشطتها وبرامجها من دون أي تدخل من السلطات الحكوميّة.

- حق النقابات في الانضمام معًا في إتحادات قطاعيّة أو جغرافيّة او وطنيّة وحق أيٍّ منها في الانضمام الى التنظيمات النقابيّة الدوليّة من دون الحاجة الى تصريح مسبق.

- حماية النقابات من الحل أو الإيقاف بموجب قرار إداري.

- حق النقابات في توفير الحصانة لمقارّها وتأمين مراسلاتها واتصالاتها الهاتفيّة.

- حماية العمال من القرارات والأفعال المناهضة للنقابة في مجال عملهم.

- حماية النقابات من أي تدخل من جانب أصحاب الأعمال في عملية تشكيلها وسير عملها وإدارتها.

- حق حماية الأموال والأصول الخاصة بالنقابات ضد أي تدخّل من السلطات الحكوميّة.

- حق النقابات في المفاوضة جماعيًّا على تنظيم شروط العمل وظروفه وغيرها من القضايا التي تؤثّر في حياة أعضائها.

- حق النقابات في ممارسة أنشطتها داخل الشركة وفي مقر العمل.

- حماية الممثلين النقابيين من أي تصرفات يمكن ان تسيء اليهم لقيامهم بأعمال تتفق مع ممارستهم لحقوقهم النقابيّة.

- حق العمال ونقاباتهم في الاضراب كوسيلة للدفاع عن مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية.

محطات تاريخيّة عالميّة للاستقلاليّة النقابيّة

طرحت قضيّة الاستقلاليّة النقابيّة بحدة في إطار حدثين تاريخيين: "ميثاق أميان" La charte d’Amien لسنة 1906 وانقسام الحركة النقابيّة الدوليّة، سنة 1949.

"ميثاق أميان"

اعتمد "ميثاق أميان" في المؤتمر التاسع للكونفيديراليّة العامة للعمل (CGT) الفرنسيّة، في تشرين الأول 1906. وكان الهدف منه الفصل بين الحركة النقابيّة والاحزاب السياسيّة. وكانت الكونفيديرالية الفرنسية في حينه، يقودها تيار "النقابيّة الثورية".

حدّد "الميثاق" هدفين للحركة النقابيّة: الدفاع عن المطالب اليوميّة والمباشرة للعمال والتغيير الجذري للنظام الرأسمالي من خلال الاضراب العام والصراع الطبقي وباستقلاليّة تامة عن الدولة والاحزاب السياسيّة. وأكّد الميثاق حق اعضاء النقابات في الانتماء الى الاحزاب السياسيّة التي يريدونها من دون العمل على إدخال آرائهم السياسيّة في النقابات.

لم تكن التيارات النقابيّة في وقتها تجمع على هذا الموقف، وان كانت في غالبيتها تؤيّده. وقد ازداد الخلاف على مضمون "الميثاق" مع انتشار الافكار اللينينية التي أعطت الحزب الشيوعي ("الديموقراطي الإجتماعي" بحسب التسميات السائدة في حينه) دورًا رياديًّا في مجال توجيه حركة النقابات، معتبرة ان هذه الأخيرة غير قادرة بآلياتها الخاصة على تغيير النظام الرأسمالي، بل ان نضال النقابات الاقتصادي يؤدّي الى انخراطها أكثر في هذا النظام. الموقف اللينيني هذا مناقض للموقف المبدئي لماركس وإنجلس، الذي بقي متفائلاً بالدور التغييري للنقابات على رغم ملاحظاتهما على الشوائب التي يعتري سلوكها، ولا سيما ما يتعلّق بتبرجز قياداتها وفسادها. وقد تحوّلت هذه الشوائب عند لينين الى ثوابت في السلوك النقابي المنخرط حكمًا في النظام الرأسمالي إذا ما اكتفى بالنضال الاقتصادي وافتقر الى النظريّة الثوريّة التي تأتيه من خارجه (راجع، Richard Hyman Marxism and the sociology of trade unionism, Pluto press limited, 1971 )

اشكاليّة الاستقلاليّة ليست هنا فقط "سياسيّة" لارتباطها بعلاقة الحركة النقابيّة بالاحزاب السياسيّة. انها ايضًا "طبقيّة" حيث ان استقدام "النظريّة الثوريّة" من الخارج، أي من الحزب الثوري (الشيوعي تحديدًا)، يعطي عمليًّا دورًا رياديًّا لقيادة الحزب، المنتمية الى البورجوازية أو البورجوازية الصغيرة بشكل عام. لهذا الموقع الطبقي للقيادة الحزبيّة، تأثير حتمي في طريقة مقاربتها للنضال اليومي وللنضال السياسي الطويل الأمد للطبقة العاملة. ربما كان الاختلاف في النظرة بين الماركسيّة اللينينيّة وتيار "النقابيّة الثوريّة" ان هذه الأخيرة تأثّرت بالمفكر الاشتراكي برودون (Proudhon) الذي كان عاملاً وواجه صعوبات معيشيّة في حياته، في حين ان معظم منظّري الماركسيّة اللينينيّة هم من الطبقة البورجوازيّة.

انقسام الحركة النقابيّة الدوليّة

سنة 1949 انسحبت بعض النقابات الاميركيّة والاوروبيّة من "الاتحاد العالمي للنقابات" واسّست "الاتحاد الدولي للنقابات الحرّة".

وإذا كان التوقيت التاريخي للانسحابات قد جاء في بدايات الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الاميركيّة والاتحاد السوفياتي، وكردّ فعل على ما اعتبر هيمنة هذا الأخير على الاتحاد العالمي للنقابات، فإن النقاش تمحور في حينه حول أهميّة استقلاليّة النقابات تجاه الأطراف الخارجيّين ولا سيما الدولة والاحزاب السياسيّة، وخصوصاً الشيوعيّة منها. وقد اكتسب هذا النقاش بعدًا آخر، مع التحوّل الذي طرأ على دور النقابات في الانظمة الاشتراكيّة، حيث اصبحت جزءًا من النظام القائم، وشريكة أساسيّة في تنفيذ سياساته.

ممانعة عربيّة للاستقلاليّة النقابيّة

9 بلدان عربيّة فقط صادقت على الاتفاقيّة الدوليّة 87 الخاصة بالحريّة النقابيّة؛ 14 بلدًا صادقت على الاتفاقيّة 98 المتعلقة بالمفاوضة الجماعيّة؛ و8 بلدان صادقت على الاتفاقيّة 135 المعنية بحرية ممثلي النقابات والعمال داخل المنشآت. لكن الأكثريّة الساحقة من هذه البلدان التي صادقت على الاتفاقيات لم تعتمدها في التشريعات المحليّة. كذلك لم تشهد الحركة النقابيّة العربيّة في تاريخها، نقاشًا جدّيًا حول الاستقلاليّة النقابيّة، كالذي جرى في سياق "ميثاق أميان". وكانت النزعة الغالبة، ولا تزال، في الاحزاب الشيوعيّة العربيّة، هي تلك التي عبّر عنها لينين، وقد تبنتها ميكانيكيًّا الاحزاب العربيّة الشموليّة الاشتراكيّة والقوميّة، ولاحقًا الاحزاب الطائفيّة، ولو بخلفيات مناقضة ومؤيدة للرأسماليّة ولوحدة الطبقات في الاطار الطائفي، كما في لبنان مثلاً.

كنموذج نادر للصدام بين الحزب السياسيّ والقيادة النقابيّة، ما حصل في لبنان أيضًا سنة 1997، عندما فصل الحزب الشيوعي القيادات النقابيّة الشيوعيّة للاتحاد الوطني للنقابات المرتبط عضويًّا به، وذلك لاتخاذ القيادات النقابيّة قرارات مخالفة للتوجهات الحزبيّة. مع الاشارة إلى ان المسألة هنا لم تكن خلافًا على كيفية القضاء على النظام الرأسمالي، بل حول طريقة مقاربة الانقسامات النقابيّة. لكن للأسف لم يولّد هذا الحدث نقاشًا جدّيًا حول الاستقلاليّة النقابيّة، لا داخل الحزب الشيوعي ولا خارجه. في الإجمال جرى التداول بالاستقلاليّة النقابيّة من خلال علاقة النقابات بأصحاب العمل والدولة بشكل أخص، حيث هيمنت هذه الأخيرة على الحركة النقابيّة في معظم البلدان العربيّة.

وعندما انقسمت الحركة النقابيّة الدوليّة، التحقت الحركة النقابيّة العربيّة في غالبيتها الساحقة بالاتحاد النقابي العالمي القريب من الاتحاد السوفياتي. ولم يعزز الانقسام الدولي نقاشًا عربيًّا حول الاستقلاليّة النقابيّة، بل كان الالتحاق بالاتحاد النقابي العالمي، التحاقًا بالسياسة الخارجيّة للاتحاد السوفياتي الذي كان يعتبر مؤيّدًا للقضايا العربيّة وقضيّة فلسطين، في حين كان ينظر الى "الاتحاد الحر" كمؤيّد لسياسات اسرائيل. وقد عبّر "الاتحاد الدولي للعمّال العرب" عن هذا الموقف أفضل تعبير، هو الذي انتسبت اليه الاتحادات النقابيّة العربيّة كافة.

تغيّر هذا الموقف تدريجيًّا، ولا سيما بعد اتفاق اوسلو. الاتحاد الدولي للنقابات الحرّة راح يزيد من اهتماماته بالمنطقة العربيّة عبر فلسطين مقدّمًا الدعم التدريبي والفنّي للاتحاد العام لنقابات عمّال فلسطين، ومشجّعًا نقاباته الاعضاء في العالم لتحذو حذوه. وبدأت تتوالى انتسابات الاتحادات النقابيّة العربيّة الى الاتحاد الحر، ببطء في البداية وبشكل متسارع بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتضاؤل تأثير الاتحاد النقابي العالمي.

هذا التحوّل في الانتماء الدولي إلى الاتحادات النقابيّة العربيّة لم يترافق مع إعلاء شأن قضيّة الاستقلاليّة النقابيّة. فالاتحادات النقابيّة العربيّة التابعة للانظمة السياسيّة واحزابها المهيمنة، لم تشأ بالطبع طرح الموضوع. كما ان الاتحاد الدولي للنقابات الحرة، والاتحادات الدوليّة القطاعيّة المتعاونة معه، لم تشأ هي أيضًا إثارة الموضوع، مكتفيةً بتوسيع قاعدة اعضائها في المنطقة، معوِّلةً على برامجها التدريبيّة للترويج لمفاهيم الديموقراطيّة والاستقلاليّة النقابيّة. وقد تغيّر الوضع برمّته مع انشاء "نقابات مستقلة" عن الاتحادات الرسميّة وخصوصاً في الجزائر ومصر والأردن وبدأت مسألة استقلاليّة النقابات تطرح كقضية مركزية. وبعد تردّد في البداية في دعم "النقابات المستقلة" كما في دعم الحركات العماليّة المعارضة بشكل عام، وذلك مسايرة للاتحادات العربيّة الأعضاء، تطوّر الأمر تدريجيًّا وأصبحت معظم هذه "النقابات المستقلّة" أعضاء في الاتحادات النقابيّة الدوليّة. وقد توّج هذا الأمر بإنشاء "الاتحاد العربي للنقابات"، التابع لـ"الاتحاد الدولي للنقابات" (وارث الاتحاد الدولي للنقابات الحرّة)، والمناهض لـ"لاتحاد الدولي للعمّال العرب" الذي يضم اتحادات نقابيّة عربيّة ملتحقة جميعها بالسلطات السياسيّة.

على رغم هذا التطوّر المهم، لم تحظَ قضيّة استقلاليّة النقابات بعد بالاهتمام الكافي في الوسط النقابي والعمّالي بشكل عام. ولعل وراء هذه الممانعة عوامل عديدة نذكر منها:

- الضغوط الكبيرة التي تتعرّض لها "النقابات المستقلة" على يد السلطات وخصوصاً بعد انكسار الربيع العربي الذي شكّل حالة سياسيّة مناسبة لانتشار هذه النقابات.

- تبعية الاتحادات النقابيّة العربيّة للسلطات السياسيّة باستثناء تونس والمغرب والبحرين.

- ضعف ثقافة الحريّة والديموقراطيّة في الأوساط العمّاليّة والنقابيّة وفي البلدان العربيّة بشكل عام.

- تدنّي أهميّة الاستقلاليّة النقابيّة في أوساط الاحزاب الاشتراكيّة والقوميّة بشكل عام.

- طغيان إيديولوجيا "الوحدة" على المستويات الإجتماعيّة والإقتصاديّة والسياسيّة كافة.

إن تعميق النقاش حول الاستقلاليّة النقابيّة، يفترض أن يأخذ في الاعتبار الاطراف الخارجيّين كافة، الذين يحدّ تدخّلهم من استقلاليّة النقابات، بما فيها الاتحادات النقابيّة الدوليّة ومنظمة العمل الدوليّة. فالدعم المادي والفني الذي تقدّمه هذه الجهات للنقابات بشكل عام وللنقابات المستقلة بشكل خاص، يحمل في طيّاته مفاهيم وممارسات لا تتناسب أحيانًا مع شروط النضال النقابي الفعّال في المنطقة العربيّة: أكان ذلك من خلال وضع سقف للمطالب النقابيّة من طريق الترويج لمفهوم "العمل اللائق" مثلاً بديلاً من مفهوم "العدالة الإجتماعيّة"، أو من خلال تضخيم دور المفاوضة والحوار الإجتماعي على حساب أساليب الضغط والمواجهة الديموقراطيّة، في ظروف موضوعيّة معقّدة، تتطلّب اللجوء الى الاسلوبين معًا. فضلاً عن ان العلاقات مع السلطات السياسيّة قد تفرض على بعض هذه الجهات تنازلات ليست لصالح الحركة النقابيّة. وهذا ما حصل أخيرًا مع منظمة العمل الدوليّة، حيث دلّ تعاطيها مع قضيّة قانون النقابات الجديد في مصر، على مهادنة للسلطات: أكان ذلك من خلال تأخير زيادة بعثتها الى مصر ابان مناقشة القانون في مجلس النواب، أو في توقيت نشر تقرير البعثة الذي جاء بعد إقرار القانون.

اقرأ أيضا: أي إيران غداً؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard