جاورجيوس قدّيس اللاعنف

4 تشرين الثاني 2017 | 09:03

يوم أمس احتفلت الكنيسة الأرثوذكسيّة بتذكار تجديد هيكل القدّيس العظيم في الشهداء جاورجيوس في اللدّ ونقل جسده إليه. هذا القدّيس الفلسطينيّ الأصل اتّخذ المسيح مثالاً وحيدًا يحيا بمقتضى تعاليمه وانسجامها مع أحداث حياته، ولا سيّما الصليب، العلامة الفارقة التي تميّز المسيحيّة الحقّ، وليس أيّ مسيحيّة ترفعه شعارًا لتزكية التعبئة الطائفيّة. 

 جاورجيوس الضابط الكبير في الجيش الرومانيّ استشهد لأنّه رفض تقديم الذبائح في الشعائر الوثنيّة، كما رفض أن يقرّ بألوهة الإمبراطور. فقبل طوعًا الشهادة، وخلع سلاحه عنه ورماه، ولم يقاوم بالعنف، بل كانت مقاومته لا عنفيّة، مجرّد الإعلان عن إيمانه بالمسيح الربّ الفادي والمخلّص. قبل الاستشهاد كي لا يخون إيمانه ومبادئه الأساسيّة، أو أن يتصرّف ضدّ قناعاته الراسخة.

 جاورجيوس جعلته غالبيّة المسيحيّين شخصًا آخر لا يمتّ بصلة إلى الشهيد جاورجيوس. فأيقونته المليئة بالرموز جعلته بطلاً أسطوريًّا، ونفت عنه الشهادة. جعلته مقاتلاً، وهو رفض استعمال السلاح ضدّ الذي عذّبوه وجلدوه وأذاقوه كلّ ألون التعذيب. هذه الأيقونة الأسطوريّ أسهمت في جعل الكثير من الناس، على سبيل الضدّ، يقولون عن جاورجيوس أنّه لم يحيَ أصلاً لأنّه قاتل التّنين وصرعه. والتنّين أسطورة، الرواية إذًا كلّها أسطورة. فيما جاورجيوس ضابط عاش في ظلّ الدولة الرومانيّة واستشهد زمن الاضطهادات (303-304).

 ثمّة عنصران أساسيّان نراهما في الأيقونة: التنّين الذي يرمز إلى الشرّ، والفتاة التي ترمز إلى الكنيسة. هذا التنّين (الشريّر) كان يطالب أهل المدينة أن يقدّموا له كلّ يوم فتاة عذراءفدية عن المدينة كلّها. رفض جاورجيوس هذا التنازل الجماعيّ أمام الشرّ، فقام بمقاومته. دافع عن الفتاة (الكنيسة)، التي أراد التنّين (الشرّ) أن يقتلها وينفي وجودها. حربه لم تكن من هذه الدنيا، كانت حربًّا فرضتها عليه غيرته على الكنيسة وعدم تحوّلها إلى مؤسّسة من هذه الدنيا. كان يرغب بألاّ تقدّم الكنيسة أيّ تنازل ولو بسيط أمام قوى الشرّ، بل أن تقاوها وتقضي عليها.

 ثمّة عبرة أساسيّة تقدّمها الأيقونة، وهي التي يغفلها معظم الناس ويتصّرفون على العكس منها. فالأيقونة تريد أن تذكّر المؤمنين بأنّ استشهاد جاورجيوس عبرته الأساسيّة تكمن في أنّ ثباته على الإيمان واستشهاده، وعدم خضوعه لمعذّبيه، هما اللذان جعلا المسيحيّة تستمرّ. لا يقضي على المسيحيّة سوى تحوّلها إلى مؤسّسة من مؤسّسات هذه الدنيا الفانية.

 لقد زاد تشويه صورة جاورجيوس عبر استخدامها في شنّ حروب ومجازر لا تمتّ بصلة إلى الإيمان المسيحيّ ولا إلى تعاليم الكنيسة. فإذا شاء أحد عظام هذا العالم شنّ حرب لأجل مصالح بلده السياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة تراه يحتلّ مكان جاورجيوس على ظهر الحصان ويقتل التنّين. بالحقيقة، كان يجدر بالأحرى أن تُرسم صورة تُظهره تنّينًا يقاتل تنّينًا آخر، لا قدّيسًا ارتكب الكثير من الجرائم بحقّ أبرياء من البلد المقصود بالحرب. لكنّ التنانين كثيرة، وهي معركة تنانين من دون قدّيسين ولا أولياء صالحين.

 المسيحيّة لا تقبل التمييز بين شرّ عاديّ وشرّ أعظم. الشرّ شرّ، ووضعه في درجات كأنّه يشرّع الشرّ الذي قد نراه شرًّا عاديًا نقبله لمنع الشرّ الأعظم، فيما يراه سوانا شرًّا عظيمًا، وما نراه عاديًّا يراه عظيمًا يتوجب القضاء عليه. فتقع الواقعة بسبب عدم اتّفاقنا على ما الشرّ العادي وما هو الشرّ الأعظم. تنانين تتقاتل وضميرها مرتاح.

القدّيس جاورجيوس هو قدّيس اللاعنف الذي انتصر بلاعنفه على الدولة الرومانيّة. اندثرت الإمبراطوريّة التي أرادت القضاء على المسيحيّة، فيما انتصرت الكنيسة بلاعنفها على الإمبراطوريّة العظمى وما زالت تحيا بنعمة ربّها. فلا تهينونا يا تنانين هذه الدنيا عبر استعمالكم صورة جاورجيوس أو سواه من القدّيسين في حروبكم وغزواتكم. جاورجيوس أشرف منكم وأسمى بما لا يقاس. فدعوه بسلام كي لا تكون دينونتكم مضاعفة.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard