هيمنة الفكر الغيبيّ

14 تشرين الأول 2017 | 11:22

المصدر: "النهار"

تعبيرية.

​يلجأ "المفكّرون الدينيّون"، لدى تناولهم في كتاباتهم قضايا شتّى، إلى مقارنات عشوائيّة بين الأديان لا قيمة لها علميًّا ولا منهجيًّا. كما يقعون في الخلط ما بين المفاهيم الحديثة والتأكيد على تأصّلها في نصوصهم المقدّسة. ويبقى أنّهم لا يتوانون عن القول إنّ المفاهيم المعاصرة كلّها قد تكلّمت عنها نصوصهم المقدّسة قبل عصر النهضة الأوروبيّة وعصر الأنوار.

​مؤخّرًا قرأت ملفًا نشرته إحدى الدوريّات العربيّة الشهرية يتضمّن "أبحاثًا" عن العلمانيّة. ولفتت نظري مقالة لأحد "كبار المفكّرين العرب" اسمه حسن حنفي، عنوانها: "العلمانيّة أسسها في القرآن الكريم وجذورها في التراث القديم". هذه المقالة غير منطقيّة وغير منهجيّة وتفتقر إلى أسس البحث العلميّ المطلوبة من طلاب الجامعات، فكم بالأحرى من "مرجعيّات فكريّة".

​ثمّة عقدة نقص لدى بعض المفكّرين، وهي البدء من حيث يجب ألاّ يبدأ. فإذا كان عنوان تفكّره "العلمانيّة أسسها في القرآن..." فلماذا يبدأ هجومًا صاعقًا على المسيحيّة "الدين الغيبيّ الأسطوريّ، دين الخطيئة والخلاص، وحصار الإنسان العاقل الحرّ بين ذنب لم يرتكبه؛ خطيئة آدم، وخلاص لم يسعَ إليه، والإيمان بالمسيح". هل هو، مثلاً، يريد من المسيحيّين عدم الإيمان بالمسيح؟ هل هو مفكّر أم داعية دينيّ؟

​في المقابل، يقول السيّد حسن حنفي عن الإسلام: "لمـّا كان الإسلام آخر الأديان فقد احتوى كلّ القيم العلمانيّة فيه: العقل، والعلم، وحقوق الإنسان، وديمقراطيّة الحكم". والأكثر إثارة للاستغراب نجده في ما قاله أيضًا: "وإذا كانت العلمانيّة تعني مركزيّة الإنسان في الكون والدفاع عن حرّيّة إرادته، وتأسيس المجتمع الديمقراطيّ الاشتراكيّ الحرّ، فإنّ هذه الأهداف تنبع من الإسلام. فالإنسان هو خليفة الله في الأرض".

لا يلجأ حسن حنفي إلى الفلسفة وعلم الاجتماع والعلوم الإنسانيّة الأخرى كي يدعم رأيه بالبراهين والدلائل المنطقيّة، بل يلجأ إلى القرآن الكريم مرجعًا وحيدًا لدفاع عن وجهة نظره. حسن حنفي يسمح لنفسه بالحكم على المسيحيّة بأنّها دين "غيبيّ أسطوري"، بينما الإسلام "دين العقل". لكنّه سرعان ما يقع في التناقض من حيث أنّه يلجأ إلى خطاب غيبيّ، لا عقليّ، كي يؤكّد وجهة نظره. أو ماذا نسميّ استعمال الآيات القرآنيّة في "بحث علميّ" لا يتناول مسائل فقهيّة في العبادات والمعاملات، بل مسائل فكريّة فلسفيّة لا تمتّ بصلة إليه.

​ثمّ نأتي إلى الواقع اللاغيبيّ، لعلّ حسن حنفي يستفيق ويفتح عينيه على الواقع. الكلام النظريّ جميل، بل رائع. لكنّ الواقع الذي يدحض النظريّة يجعل الخطاب النظريّ عقيمًا بلا قيمة. فأين العقل، والعلم، وحقوق الإنسان، وديمقراطيّة الحكم في معظم بلداننا الإسلاميّة والعربيّة؟ العقل الغيبيّ يسيطر على الغالبيّة الساحقة من شعوبنا. نحن غائبون عن المنافسة في إنتاج العلوم على مستوى العالم كافّة. "حقوق الإنسان" المنتهكة بشكل دائم. الديمقراطيّة المحتقرة لدى شعوبنا الخاضعة لأولي أمرها.

​نحن لن ندافع عن المسيحيّة في وجه الإسلام، ولن ندخل في سجالات غير نافعة ومماحكات هذيانيّة. العلمانيّة نفهمها انطلاقًا من مفهوم "الفصل ما بين الدولة والدين"، وهو المفهوم الوحيد الذي لم يتناوله حنفي في "بحثه". العلّة الأساس تكمن في الخلط ما بين الخطاب العلميّ والخطاب الدينيّ. بدء التفكّر الحقيقيّ الفصل ما بين الخطاب العلميّ والخطاب الدينيّ.

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard