لمصلحة من ايجاد هذا الشرخ بين اللبنانيين والسوريين؟... التغريبة السورية ٣

16 آب 2017 | 13:22

انبرى مؤخرا احد المشاركين في ندوة حول اللجوء السوري ليعطينا أمثولة تركية في كيفية حفظ حقوق اللاجئين السوريين.

لكن الصحافية الخبيرة بما يحصل على الارض، سواء في تركيا او الاردن او لبنان، لفتت نظره الى ان الاعتداءات الجنسية وبيع الاطفال والأعضاء والتزويج المبكر وغيرها من الاساءات تحصل في كل من تركيا والاردن، أكثر مما تحصل في لبنان بكثير.

لكن الغريب أن تهمة العنصرية وإساءة المعاملة تلتصق بالشعب اللبناني حصراً!!

نعلم جميعاً أن الوضع الامني ممسوك في الاردن بصرامة كما ضبط وضع اللاجئين فيه، ما يمنع تناول هذه المواضيع بالتفلت الموجود في لبنان. ويبدو ان المعارضة السورية تتغاضى عن التعديات على اللاجئين السوريين في تركيا للدعم الذي تتلقاه من أردوغان.

هذا مع انه يسهل على تركيا ذات الامكانيات الضخمة استيعاب المليونين ونصف الملون لاجئ او ما يقدر ب 3 او 4% من السكان. بينما لبنان، الخارج من حرب اهلية طويلة، بعد أن استنزفه النظام السوري وأزلامه وحال الفساد المستشري والانهيار الذي يعاني منه، يحمل عبء أكثر من 40% من سكانه كنازحين.

لكن ما يعطي صدقية لهذا الانطباع خطب بعض السياسيين العنصرية وأيضاً القرارات العنصرية لبعض البلديات في منع تجول السوريين ليلاً...

أكثر ما يلفت النظر هو هذا الانتقال المريب من التجاهل التام وعدم الاعتراف بمشكلة النزوح، ومنع اقامة مخيمات خاصة لاستقبالهم؛ (ربما كي يقنعنا حزب الله "ان لا شيء يجري هناك" وأن لا نتائج كارثية لحربه على الشعب السوري وتهجيره)؛ الى ان استفقنا فجأة لنكتشف أن لدينا مشكلة لاجئين بأعداد غير مسبوقة وانهم سبب مشاكلنا منذ نصف قرن!!

فانطلقت حملة عشوائية متصاعدة لشيطنة السوري ولوسمه بالارهاب بالتزامن مع تداول فيديوهات مشبوهة لسوريين يتعرضون للإهانة والضرب من لبنانيين يذكرنا ترويجها بما كان يحصل مع افلام داعش الترهيبية، غافلين عما يشكله ذلك من تهديد للعلاقة بين الشعبين وتأجيج للضغائن والكراهية. ربما يحصل ذلك عمداً لتوتير العلاقة مع الشعب اللبناني بكامل اعضائه بدل حصرها بالحزب وبيئته!!

ويساهم هذا أيضاً بتبرئة النظام السوري إذ يجعل من اللاجئين مجرد ارهابيين يستحقون ما يحصل لهم.

وربما كان ذلك أحد خلفيات مسرحية تحرير جرود عرسال التي تمت نتيجة اتفاقات مسبقة والتي تزامنت مع عودة نغمة: جيش، مقاومة، شعب، ثم تبعتها هجمة وزراء الممانعة المفاجئة على زيارة سوريا والتنسيق مع مشغلي أمثال ميشال سماحة وتعدياتهم على لبنان.

من هنا خطورة الحملتين: شيطنة السوري وعنصرية اللبناني، دون التبصر بنتائجهما التي قد تؤدي الى مزيد من العنف.


لكن قبل الحديث عن العنصرية والعنف لا بد من توضيح بعض المسلمات او القواعد. عند دراسة العلاقة بين مكونات تحمل قدرا من الاختلاف او التعدد الثقافي بالمعنى الواسع، لا بد من استخدام آليتين مستعارتين من التشبيهات البصرية في عصر سيادة الصورة: زوم آوت\ زوم إن.


"الزوم آوت"، او النظر عن بعد، يظهر اننا والسوريين ننتمي الى نفس الثقافة ونتشابه، وبالتالي لا توجد تمايزات تعيق اندماج الشعبين معا. هكذا يفكر الاستشراقيون الاوروبيون والمجتمع الدولي في تعاملهم معنا. ولقد سبق للنظام السوري ان روّج لمقولة شعب واحد في بلدين. ومن هنا ضغط المنظمات الدولية على تقنين وضع اللاجئين ومنحهم حقوق العمل وما شابه وهذا موضوع آخر.


لكن اذا استخدمنا "الزوم إن"، او النظر عن قرب، سنجد بين الشعبين اختلافات كثيرة من نمط تلك التي نعاينها حتى في الثقافة الواحدة. نتشابه على مستوى معين ونختلف على مستويات أخرى. أذكر زيارة لنا في السبعينات الى حمص وكنا مدعوين من قبل اصدقاء وأذكر أن أول ما استهلت به السهرة سيل من النكات الشائعة عن اهل حمص.. كانت لفتة في منتهى الذكاء من قبل مضيفينا لاعلامنا انهم يعرفون ما يقال عنهم وانها تعميمات ومواقف مسبقة تضحكهم كما تضحكنا.


هذا يعطينا فكرة عن التعميمات التي أقصدها والتمايزات الثقافية او خصوصيات كل بلد ومدينة ومنطقة وحي.


هذه التمايزات موجودة داخل الثقافة الواحدة، بين مدينة واخرى و قرية واخرى وحي وآخر. استخدم الرحابنة مجاز "أهل القاطع" لوصفها. انها سمات "نوسم" بها الآخر ونعمم عنه فكرة مسبقة وصورة ذهنية ونتصرف مع المنتمين الى ذلك "القاطع" على أساسها. وهذه التعميمات تعرفها الشعوب الغربية: بين البلجيك والفرنسيين، بين الفرنسيين والألمان أو الانجليز وهكذا دواليك... في منطقتنا هناك تمييز اضافي يتعلق بتصورنا للمنتمين الى طائفة او مذهب معين. سأكتفي بمثل من لبنان: الصورة الذهنية عن المرأة الشيعية او المسيحية او السنية او الدرزية. غالبا ما تقوم الآن انواع الحجاب بهذا التمييز حتى بين الاحزاب.


العنصرية هي احدى مكونات اللاتسامح او عدم قبول الآخر المختلف وهي ثلاثة: التحيز والتنميط والتمييز العنصري. التحيز هو حرفياً "الحكم المسبق" او ما نصدقه حول شيء او شخص مرتكزين على افتراض واعتقاد اكثر من الارتكاز على تجربة حالية. كالاعتقاد بأن كل عربي هو مسلم أو ارهابي بالقوة. والتحيز قد يكون ضد شيء ما او معه. لكنه في الاستخدام الشائع يرجح النفور من مجموعة خاصة بكاملها او لجزء منها، كجماعة عرقية اواتنية او مذهبية دينية او جندرية او عمرية. مع ذلك هو مجرد موقف ولا يتحول الى سلوك.


يقودنا هذا الى التنميط الذي يمكن تعريفه ببساطة "كتعميم جامد". التنميط الذي يسود حياتنا هو تنسيب بعض المميزات للأشخاص ببساطة على قاعدة انتمائهم لمجموعة ما. التنميط هو تبسيط مبالغ وجامد لصور ذهنية، قد تحتوي على بذرة من الحقيقة تحمّل بتعميمات خاطئة بنيت حولها. واحد الاشياء المثيرة للاهتمام حول التنميط ان الناس يظلون يصدقونها حتى بعد ان تقدم لهم ادلة غير قابلة للرفض حولها (هل من داع لتذكيركم بالنكتة عن سيدنا عمر؟ والحجة: اذا كان كما تصفونه من صفات جيدة فلماذا اسمه عمر اذن!؟).


لكن التمييز العنصري، بعكس التحيّز، يحيل الى سلوك مثل: انكار الحقوق الاساسية و/ أو الفرص لأعضاء بعض المجموعات على قاعدة متغيرات واسعة مثل: العرق والعمر والجندر والدين/المذهب او الاعاقة. لذا عندما نريد محاربة العنصرية علينا تحديد مصادرها بدقة ومن دون الغرق في التعميم والتحيز أيضاً. وبالتالي يمكن القول ان ما نلاحظه في سلوك اللبنانيين هو التحيز وربما التعميم، وأشرنا الى ثقل تأثيرات النزوح والكثافة سابقاً، لكن أن نستسهل تعميم ان الشعب اللبناني عنصري هكذا ومن دون تمييز فهو خطير بقدر ما هو ظالم.


وخطورة نعت اللبنانيين جميعهم بالعنصرية أنه يشجع على العنصرية نتيجة قانون المحاكاة او التقليد الذي أجاد شرحه رينيه جيرارد


فهو يعتبر ان المحاكاة خاصية الكائنات الحية، من دونها لن يصبح البشر بشراً. بها يتعلم الكلام والمشي والالتزام بالقوانين والاندماج بالحضارة. وهو يميز بين محاكاة التعلم ومحاكاة التنافس مصدر جميع الصراعات.

انها نتاج آلية لاواعية للحركات والمواقف التي يقوم بها الناس من حولنا. فالانسان يرغب دائما بحسب رغبة الآخر، أن يكون مثله وان يملك ما يملك ويفعل ما يفعل. ليس لأن ما يملكه نفيس او مهم، بل فقط لأنه يتماهي معه. وانطلاقا من هذا وجد جيرارد ان العنف يتفلت حالياً من كل رقابة او ضبط ويهدد الكرة الأرضية بأكملها. ويزداد التطرف لحدوده القصوى. العلاقات بين البشر ليست عقلانية ومتوقعة كما بين كرتي بليارد؛ وحالة العدوانية تُظهر المضمر في العلاقات الانسانية. قانون المحاكاة هو الذي يغذي حماس المحارب ويجره نحو الاسوأ، والعقلانية حدودها خضوع البشر لعاطفيتهم.

فحذار من استسهال نشر شعارات وفيديوهات الممارسات العنصرية لأنها اسهل طريقة لتعميم العنف والعنصرية. انها مسؤولية الاعلاميين بالدرجة الاولى.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard