يوم دُفنت سارة دون مأتم... واتُّهم الأب بقتل زوجة ابنه

9 حزيران 2016 | 13:19

المصدر: "النهار"

لم يعد للسّاعات الجميلة من ساحات سوى العبور الى مفترق الذكرى. حنين العودة الى الأمس الغابر ينتج في ملامح نظرة العين لوحةً فنية يوقّعها العذاب. في عقول السوريين كما في قلوبهم ثقل الذكريات العتيقة يضني حاضر الفرقة. أسواقٌ ومنازل وأحبة ورائحة أطعمة، كلّها اضحى محض سرابٍ في زمن الدمار. الشمل المُجتمِع فُكّك روابطه وبدأ رحلة البحث عن الفردية. العائلة الواحدة تحوّلت الى أفراد مقهقري الوجود. البحث عن مصدر عيشٍ آنيٍّ بات اولويّة. اما المشاعر فقتلها واقع الأزمان. الابن قد لا يعرف أباه سوى بصورة مذنبٍ وقاتل، وكأن الواقع بحاجةٍ الى اصطياد فريسةٍ يصرِف فيها القلب احساس الخيبة المدوّي.

انت السبب
من اكثر مظاهر تفكك العائلة السورية فتكاً، التشرذمات الداخلية التي تعتري علاقة الابناء بآبائهم، والتي تترافق مع مشاكل نفسيّة تصل الى مراحل متقدّمة. قصّة عائلة ابو جهاد التاجر الحلبي، الذي حوّلته الحرب لاجئاً قسرياً في لبنان، هي أحد هذه المفترقات الصعبة في حياة انسانٍ، كتب القدر صراعه مع فلذة كبده. كان يجدّد اقامته في لبنان حين التقيناه واخبرنا القصّة وكأنه كان يريد الشكوى لأحدٍ ينصت الى وجعه. يقول: "كنت أملك محلاً صغيراً في مدينة حلب حيث اقطن وزوجتي بسلام، وكان ابني يعيش في بيتٍ مستقل قريب منا بعدما تزوّج وانجب فتاة. عند تطور الاوضاع في المدينة، رفضت التخلي عن مصدر رزقي ومنزلي وقرّرت الصمود في الحي الذي كان مهدّداً يومياً في اندلاع الشرارة فيه. ابني كان يرغب في الانتقال الى منطقة اكثر أمناً، لكنني لم اوافق على تخلّيه عن إعالتي في المتجر الصغير والحفاظ على الارث المهني والعائلي".

يوم وصلت القذائف الى الشارع الممتلئ سكينة، تحوّلت الارصفة والمحال والمنازل فيه الى دمار. اما منزل جهاد فشهد على تراجيديا. يضيف: "تعالت اصداء القصف بشكلٍ مفاجئ، فأصابت قذيفةٌ منزل ابني المجاور، وسقطت زوجته سارة قتيلة على الفور، في حين كان وابنته خارجاً. لدى وصوله أصيب بصدمة لا يزال يعاني آثارها حتى اليوم، فلم يتقبّل مشهد الموت المفاجئ، حيث دفنت زوجته مع استحالة اقامة مأتمٍ في ظل الظروف الحرجة. حمّلني مسؤولية ما جرى، ولا يزال بعد مرور 3 سنوات يحاول تأنيبي بطرق عدّة لأنني رفضت مغادرة حلب كما كان يرغب".

الانتقال الى لبنان كان بمثابة رصاصةٍ أخيرة. "تدهور الوضع في #حلب أجبرنا على النزوح، حيث تركت الطفلة بصحبة والدي امّها في سوريا، ووصلنا الى #بيروت مجرّدين من المال والغذاء، حتى وجد جهاد عملاً في مصنع لنقل البضائع. يقول ان الراتب لا يكفي، ويمتنع عن شراء جميع ادويتي، وحين اطالبه بالقليل من المال ينصحني بالمغادرة وعدم العودة لأنني قاتل ويجب ان لا اعيش. امه تتداركه اكثر، خصوصاً حين يختلي بنفسه لساعات ويرفض الحديث مع احد. يصل من العمل دون ان يتكلّم معنا، وحالته النفسية غير مستقّرة".

حالة اقتصادية مذرية
لطالما صنّفت #الحرب أشرس أعداء السمات المجتمعية، حيث ترمي بثقلها على مفهوم التكافل والتضامن الاجتماعيين، وتحوّل العائلة من مؤسسة واحدة الى افراد متلاشين. الدكتورة في علم النفس التربوي، مي مارون، تشرح في حديثٍ لـ"النهار" الصراع الاقتصادي الاجتماعي الذي تسفر عنه النزاعات: "الحروب تقضي على الاقتصاد كخطوة اولى، وهي عندما تفقد الانسان مظاهر الرفاهية والعيش الرغيد، تقهقر العائلة التي يتغيّر نمط عيشها كلياً ويتحوّل الى تقشفي تشوبه مظاهر الجوع والحاجة الى المال. هذا اضافةً الى الانتقال الى ثقافة عيش جديدة تحتّمها عملية النزوح، حيث مسألة السكن في غرفة او بيت متواضع تزيد الأمور ضبابية، خصوصاً في حال عدم قدرتهم على ممارسة طقوسهم وعوائدهم الدائمة".

وتلفت الى ان "الاطفال وحدهم يستطيعون التأقلم مع واقع النزوح فلا يشعرون بقسوة التشرذم العائلي لأنهم يجهلون مكامن اللعبة ويهتمون بالتسلية، الا انهم مستقبلاً سيواجهون مشكلة عدم الاندماج نفسها، لأن دور الأهل الضاغط سيمنعهم من إمكان التخالط وتبني مظاهر المجتمع اللبناني الذي بدوره لا يستقبلهم برحابة مطلقة". وحول دخول منطق الموت في القصّة تعتبر ان "من الطبيعي تحميل الاب المسؤولية الكاملة عن موت الزوجة لأنه كان صاحب القرار في الصمود والحفاظ على المقتنيات، وعادةً ما تأخذ هذه القرارات طابع التخيير بين المجهول وفرصة النجاة. كما ان العلاقة بين الزوجين لها اثرها الخاص في النفوس، فهو يكون قد استقرّ عن اهله وأسس حياةً خاصة بعيدة من الابوين، وتصبح الزوجة المحور الاساسي في يومياته. موتها بطريقة مأسوية تزامناً مع الابتعاد عن الوطن والحالة الاقتصادية المذرية تنتج واقعاً تعتريه المشكلات النفسية والاضطرابات السلوكية".

تفكك فيزيكي واقعي
بدوره الدكتور في علم النفس الاجتماعي هاشم الحسيني  يؤكّد في حديثٍ لـ"النهار" ان "السبب الحقيقي وراء التأثير النفسي الكبير على الانسان جرّاء فقدان احد افراد عائلته هو التفكك المجتمعي المرافق للنزاعات والحروب. حالات الموت مسألة عادية يعبّر عنها بالحزن، الا ان تطوّر التعامل معها الى مفترقٍ غير طبيعي يعزّزه ما يسمى بالتفكك الفيزيكي الواقعي، حيث كلٌ من افراد العائلة يذهب في اتجاه وتتحوّل مظاهر الوحدة الى ترسبات قاسية".

وعن اختلاف اشكال التضعضع العائلي يسرد الحسيني ان "المراهقين عادةً يلتحقون بالقتال رغماً عنهم، الا انه الطريق الوحيد امامهم في حال تعذّر الهروب. الفتيات بدورهم يتعرّضن لما يسمى بالاغراءات العاطفية الماكرة، فيطمحن الى #الزواج والاستقرار في ظل تشرذم الاخوة والاهل، وتطلق العنان لحريتها العاطفية الشخصية، ما يجعلها امام عاملين اثنين: الاول بتأسيس عائلة تحت القذائف، والثاني في امكان خداعها واستغلالها".

الحرب لا توفّر أحداً. قد تبقى المشاكل الاقتصادية والاجتماعية فيها العنصر الاقل شراسة رغم فتكها بالعائلات. الا ان للنزاعات الانسانية نتائج اكثر حدّة، منها الاتجار بالبشر وتهالك الطفولة. لو كان في الحروب منتصر واحد، لما دفع الجميع الضريبة وعادوا يتغنّون بنهايتها من على عكّاز... او كرسيٍّ متحرّك.

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard