ذبول آخر ورود أمبرتو إيكو

20 شباط 2016 | 11:39

المصدر: النهار

يتراءى رحيل أمبرتو إيكو في حقبة إحتضار الصحافة المكتوبة اعتراضاً على الإنزلاق نحو المجهول. في الموسم المتردّي الراهن، يوازي غياب الروائي المكرّس والباحث المرجعي في السيميولوجيا وجماليّات القرون الوسطى والفلسفة والتواصل، سقوطا لآخر فضولي نقديّ من الصنف الظمىء، كأن الزمن لم يعد يحتمل وجوده اليقظ الذي حذّر، ومنذ منتصف التسعينات من القرن العشرين، من الميل التدريجي صوب تسطيح الصحافة لتصير من أسماء الفضيحة.

لم يكن الإيطالي إيكو الذي غاب عن الرابعة والثمانين في ميلانو، أكثر رأفة بشبكة الإنترنت التي رآها ترفّع أبله القرية إلى مستوى حامل الحقيقة، أو بمواقع التواصل الإجتماعي التي نظر إليها بريبة يقينيّة راصدا منصة حيث جرت تلاوة آراء الأغبياء على مسامع الحشود، بعدما أطلقَت تلك الآراء، في ما مضى، في مساحة حانة ليلية، المكان الملائم للمقاربات التافهة المنبعثة من غمامة احتساء كأس نبيذ، على ما يزيد.

كان إيكو من بين ايطاليين قلائل، الى جانب البرتو مورافيا ولويجي بيرانديللو وإيتالو كالفيو، اخترقوا ممانعة الثقافة الأميركية الأدبية للترجمة، وتجاوزوا عقدة الإنتماء الحصري إلى شبه الجزيرة الإيطالية، من دون الخجل من النقد الذاتي. كتب عن التسامح إزاء حركة انتقال الشعوب بين بلاد وأخرى وعن الخضّات العميقة التي تصيب الحضارة الغربيّة الحديثة وتأمّل الحرب، كمفهوم، إنطلاقا من حرب الخليج الأولى والتدخل العسكري في كوسوفو، حيث أضاء على صعوبة الإنخراط في الحروب والفوز بها في المعنى التقليدي. في عرفِه، تبدّلت التحديات ولم يعد متاحا خوض أنساق الحروب "الفعّالة".

على مشارف الخمسين أًصدر إيكو روايته المعروفة "إسم الوردة" حيث اجتمع التشويق بالفلسفة والتي ألحقها في عقده الثامن بتنويع على مأثرة راينر ماريا ريلكه وسمّاه "اعترافات روائي شاب". إحتاج على ما يبدو، إلى تلك المرحلة الفاصلة لكي يقارب تجربته الشخصية بعين الخبير فيجعلها الذريعة المناسبة لتسديد النصائح الناجعة ولترسيم الحدود بين التخييل واللاتخييل. أما روايته الأحدث "العدد صفر" فمحطة أخرى غايتها البحث في الأساطير التي تستأثر بعالمنا وتنسج صلات وشيجة مع اللحظة التاريخية ووسائل الإعلام والطموحات الفردية والجماعية. بدءا من اللاهوتي والفيلسوف توما الأكويني ومرورا بموسوعة ويكيبيديا المفتوحة والفيلسوف كانت وأزمة الكتاب الورقيّ والسياسة والفن والأسطورة وسواها، جعل إيكو جميع الموضوعات مواده الأثيرة.
إعترفَت أربعون جامعة في أنحاء العالم بفرادة إيكو فمنحته كل واحدة على حدة شهادة الدكتوراه الفخرية ليتضخّم رصيد لم يعد يحسبُ الجوائز والتكريمات. وإذ غرَف مثال الإنسانوية الخالصة إيكو من إمتيازات هذا العالم، لم يستطع أن يتلقّفه تماما فكتب "وصلتُ إلى التسليم بأن العالم برمته هو مجرد لغز، لغز غير مؤذٍ جعلناه مخيفا بسبب محاولتنا المجنونة لتأويله كما لو أنه حقيقة أساسية".
ربما تكون هذه الجملة دعوة إيكو الأخيرة. ها هو يطلب منا أن نمشي في موازاة مجرى الحياة وأن نكفّ عن التذاكي على العالم.


roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

 

علاء أبو فخر: الحكاية الجارحة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard