شاعر الفدائيين

20 آب 2014 | 10:50

المصدر: "النهار"

مات سميح القاسم. ماذا يمكن أن يقال فيه، وشهرته تتقدم شعره وشعريته؟! أقول: لا فائدة لأيّ نقد، أو لأيّ تحليل.

والحال هذه، لا شيء ينصفه سوى قصائده التي يردّدها الفدائيون، وهم ذاهبون في عملياتهم الفدائية، تحت الليل، في أول طلوع الفجر، وفي هندسات الخيال.
لا شيء ينصفه سوى لمعان العيون وكبرياء الأمهات وابتسامات الأطفال، يدندنون جميعهم في المخيمات والملاجئ قصائده التي صارت أغاني وأيقونات.
هل يعني القارئ، وخصوصاً القارئ الفلسطيني، ماذا يُمكن أن يقال في شعر سميح القاسم، نقداً، أو تحليلاً؟ لستُ أدري!
لو رجع الأمر لي، لكنتُ فضّلتُ للشاعر، لهذا الشاعر بالذات، بسببٍ من فلسطينيته، بل بسببٍ من حبّي اللاحدود له لفلسطين، أن أختصره بقصيدة، بقصيدتين، بثلاث. أكثر، أو أقلّ، لا فرق.
هذا عندي، على سبيل الاحترام للرمزية الأيقونوغرافية التي يجب أن ترافقه إلى مثواه الأخير. وهذا حقّ له، بالطبع، لا يرقى إليه أيّ شكّ، ولا يعتوره أيّ التباس.
على أن سميح القاسم المجلّل برمزيته وهالاته، والذاهب إلى مثواه، في الرامة، أرضه الأولى، لم يكن شاعراً كبيراً إلاّ لأنه غنّى فلسطين، ولأنه كان، في أحد الأيام، شاعر فدائيين ومقاومين، في معنى ما.
قد يكون في هذا القول شيءٌ من ابتسار وتجنٍّ. ليس هذا هو القصد. حاشا.
له، ولمحبّي شخصه وشعره، ألف تحية، واعتذار.
لكني أقول باعتزاز، إن فلسطينه تتقدّم على شعريته. واعتقادي أن هذه "الفضيلة" الفلسطينية المطلقة، عنده، تغفر للشاعر عدم تعالي الحنكة الشعرية، وموهبتها، إلى أن تتساوى بالرمزية الفلسطينية في قصيدته، هذه التي تعلو، بأشواط، على أيّ قيمة جمالية أخرى.
كان مقامه الشعري ليكون أشد رسوخاً، لو أن شعريته كانت موازية لفلسطينيته. لكن مثل هذا التوازي تنوء به الجبال العاليات، فكيف لا ينوء تحته شاعر رقيق مثل سميح القاسم؟!
لهذا السبب بالذات، كم كان سميح القاسم ليكون فريداً في نوعه، لو أنه لم يكتب الكثير. لو أنه كان مُقِلاً. لو أنه تدارك كثيره بالقليل من القصائد التي جعلته يحضر برمزيته القصوى، مخترقاً الوجدان الجمعي للفلسطينيين، للفدائيين، وللحالمين بدحر العدوّ البغيض الجاثم على أرض فلسطين.
ما لي ولهذا كله. فكل شيء يصغر الآن أمام قصيدة، قصيدتين، أو ثلاث له، يكفيه أنه كتبها، وأنها ستظلّ مقترنةً باسمه وبعطور ظلاله كلما عنّت فلسطين بالبال.
تذكروا دائماً أنه صاحب هذه الكلمات:
"تقدموا/ تقدموا براجمات حقدكم وناقلات جندكم/ فكل سماء فوقكم جهنم/ وكل أرض تحتكم جهنم".
"منتصب القامة أمشي/ مرفوع الهامة أمشي/ في كفّي قصفة زيتون/ وعلى كتفي نعشي، وأنا أمشي وأنا أمشي".

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard