البترون: عبق التاريخ في مساحة مدينة صغيرة... فلا تفوّتوا زيارتها! (صور)

17 حزيران 2020 | 15:05

المصدر: "النهار"

لا تفوّتوا زيارة البترون.

تزخر البترون بالآثار العريقة والمتنوعة بتنوع الحقب التاريخية التي تعاقبت عليها. وتتجلى في بقايا جدران وأعمدة وهياكل تعود إلى أزمنة العصور الغابرة المختلفة.

والبترون مدينة ساحلية، تبعد عن بيروت 50 كلم شمالاً، وتعتبر واحدة من أقدم المدن الفينيقية. ويروي أنيس فريحة، المرجع الأهم لأسماء المدن والقرى والبلدات اللبنانية، أن كلمة "البترون" مشتقة من اللفظة السامية "بتر" ومعناها الصخر، والشاهق العالي، نسبة إلى وفرة الصخور فيها.

وهناك تفسير آخر أورده جوزف إليان ومفاده أن "البترون" مشتقة من كلمة "بوتريس" التي أطلقها اليونانيون على البلدة، وكانوا يتبعونها دائماً بكلمة الجميلة "Beautris la belle" ومعناها عنقود العنب نسبة إلى أشجار الكرمة التي كانت تغطي مساحات واسعة من حقولها وجلاليها.

إلاّ أن الأبوين حبيقة وأرملة، يعتقدان أنها مركّبة من "بيت" و"ترونا" وهي تعني محلة المقدم، وبيت الرئيس.

في البترون سلسلة آثار، وتعتبر واحدةً من أبرز المواقع الأثرية من العصور الوسطى في المدينة هي "القلعة الصليبية" المعروفة بقلعة المسيلحة التي شيدت فوق صخرة هائلة معزولة ذات جوانب شديدة الانحدار، ما يجعل لموقعها مناعة قوية بوجه الغزاة، بينما يبرز في وسط سهل تحيط به الجبال، سد مائي ضخم شيد فيه مؤخراً يحمل اسمها.

وتمتاز البترون بوفرة كنائسها، وأديرتها، ولعل أبرزها كاتدرائية مار أسطفان التي تعود إلى القرن العشرين، والتي تعتبر من أكبر كنائس لبنان، وقد أقيمت مكان كنيسة قديمة، وانتهى بناؤها حوالي سنة 1910 وهي تطل على ميناء المدينة، وتتميز بطراز معماري مزيج من بيزنطي وروماني.

أما كنيسة مار جرجس للروم الأرثوذكس، فتجاور كاتدرائية مار اسطفان، وقد بنيت على الطراز البيزنطي مع قبة فريدة من نوعها. وقد انتهى بناؤها في آب سنة 1867. وهناك كنيستان أخريان هما كنيسة سيدة الساحة (1898)، وكنيسة سيدة البحر (القرن التاسع عشر).

والسوق القديم، الذي يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، تتجلى فيه عراقة التاريخ بأبهى صورها، فهو مبني بالحجر البتروني الرملي، وبالعقود المتصالبة، والسريرية، والتي تجعل منه احد أجمل الأسواق في لبنان. وما زالت بعض الحرف اليدوية موجودة في هذا السوق كالخياطة، والسكافة، والحدادة.

القلعة الفينيقية:

بعد كنيسة مار جرجس يتجه الزائر إلى الجنوب الغربي منها، حيث القلعة الفينيقية. وقد بنى هذه القلعة ملك صور إيتوبعل الأول (القرن التاسع ق.م.) لحماية مملكته من الغزو الأشوري. غير أن زلزال 9 تموز 551 ب.م. خرّب هذه القلعة، فأعاد بناءها سكان البترون آنذاك بطريقة عشوائية كما نراها الآن. واستعملها العرب والصليبيون والمماليك والعثمانيون. وما يظهر من هذه القلعة هو جزؤها العلوي.

السور البحري الفينيقي:

أما السور الفينيقي، فكان في الأساس كثباناً رملية تحجرت في مطلع الطور الجيولوجي الرابع (منذ حوالي المليون سنة) وبدأ الإنسان البتروني يقتطع منها الصخور الرملية الصلبة لبناء دور العبادة والمنازل والدكاكين والخانات والفنادق والمدارس والأديرة وحتى الجدران التي تكوّن حدود الملكيّات في مدينة البترون إلى أن اتضح شكله كما هو الآن، إذ يرقى إلى القرن الأول قبل الميلاد. يبلغ طول السور 225م. وارتفاعه 5 أمتار وعرضه عند القمة ما بين المتر والمتر ونصف المتر. وهذا السور وقف سدّاً منيعاً في وجه العواصف البحرية وفي وجه الغزاة.

مقعد المير:

يقع جنوب شرق السور "مقعد المير" وهو صخرة حفر فيها من جهة الغرب باب ودرج يرتقي بواسطته الزائر إلى سطحها.

وفي طريق العودة (الخط الأخضر) يمكن للزائر رؤية الأبنية التراثية المرمّمة حديثاً، كما يمكنه تذوق ليموناضة البترون التي اشتهرت بها المدينة منذ زمن بعيد. وفي المدينة أيضاً تكثر المنتجعات السياحية والنوادي الليلية والمطاعم والمقاهي، ما يسمح للزائر باختتام جولته كما يحلو له.

وتقام في البترون مناسبات واحتفالات خاصّة بالمدينة، منها "قدّاس البحر"، وهو احتفال فريد يُقام في أوّل أحد من شهر تموز كل عام على شاطئ البحر، حيث تجتمع الحشود للمشاركة في القداس الذي يقام على متن قارب صيد عن أرواح البحّارة الأموات، ومن ثم يبحر هذا القارب لنثر أكليل من الزهر في عرض البحر، وهو تقليد وثني مميز يلتقي خلاله أهالي البترون بزوارهم الآتين خصيصاً للمشاركة في هذه المناسبة، والصلاة معاً في أجواء عابقة بحضارة الماضي.

مهرجان البترون الصيفي السنوي

مع تطور الحياة الثقافية في المدينة ، نشأت العديد من الجمعيات الأهلية الثقافية والاجتماعية وهي اليوم لا تقل عن 30 جمعية، تتعاون مع لجنة مهرجانات البترون والمجلس البلدي لتنظيم فعاليات المهرجان الصيفي السنوي، ويقام قبل زمن الكورونا، في أوائل شهر آب لمدة أربعة أيام، ويضم معارض رسم ونحت وتصوير إضافة إلى كرنفال بحري، وسهرات غنائية ومسرحية.

عيد الليموناضة

لعصير الليموناضة في البترون نكهة خاصة، فهي المدينة المشهورة ببساتين الليمون التي تحيطها بسياج أخضر، وعلى مدار السنة. يؤمّها السياح واللبنانيون من كل المناطق للتلذّذ بمذاق عصيرها الفريد، حتى إنّ السكان دأبوا ما قبل العام 1940 على إحياء عيد خاص لليموناضة، فتستقبل المدينة زوارها لتقدّم لهم "عصارة خيراتها" في أحضان أسواقها القديمة.

تجمع البترون خصائص التاريخ القديم، مع الوسيط، والحداثة في آن، ويمكن للزائر أن يعيش مختلف الحقب التاريخية في جولة فيها.

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard