الانتفاضة اللبنانية: ما هي الأطروحات الاقتصادية والسياسية التي يجب أن تراجعها؟

28 نوار 2020 | 12:40

اعتصام أمام قصر الأونيسكو (مارك فياض).

الانتفاضة لم تمت. هكذا يقول بعض التحركات وبعض اللقاءات وبعض المواقف. لكن هذه التحركات واللقاءات والمواقف تشير بوضوح إلى ان الانتفاضة في حالة ضياع على مستوى الأهداف، وتشتت على مستوى الممارسة، ولا سيما في ظروف معقدة، زادها انتشار وباء كورونا تعقيداً. ربما حان وقت التقييم.

لا أتوخى تقييم الانتفاضة من هذا النص. فلا المنهجية المستخدمة ولا المساحة المتاحة تسمحان بذلك. في المقابل، إني

أراجع خمس أطروحات للانتفاضة، كمساهمة مني في تغذية هذا التقييم والحضّ عليه. من بين هذه الأطروحات، ثلاث اقتصادية واثنتان سياسيتان. عندما اقول "أطروحات للانتفاضة"، اعني الاطروحات الاكثر تداولاً، ولا أنفي وجود اطروحات اخرى مناقضة داخل الانتفاضة نفسها.

الأطروحة الاقتصادية الأولى تحميل "النموذج الاقتصادي الريعي" المسؤولية الاقتصادية الاولى عن الانهيار الاقتصادي والمالي الحاصل، في إطار سياسات نيوليبرالية عمّمتها الرأسمالية العالمية.

ان النموذج الاقتصادي الريعي هو دون ادنى شك من الاسباب "البنيوية" للانهيار الحاصل، لكن عندما ننظر ايضاً الى النتائج المالية لثلاثة عوامل اخرى على الاقل، من مثل مشكلة الكهرباء، والإهدار الناتج من التهريب عبر المعابر الشرعية وغير الشرعية، والإنفاق الزبائني وغير المجدي والمشوب بالفساد لمؤسسات السلطة، لا بد أن يلفت انتباهنا ان هذه النتائج تفوق كمّاً النتائج المقدرة للنموذج الاقتصادي. وعندما نتكلم عن التأثير الاقتصادي للعوامل، لا بد من أن نأخذ في الاعتبار المعطيات الكمية ودقتها. العوامل الثلاثة التي اشرنا اليها، تدخل في اطار الممارسة السياسية. ويبدو ان هناك "نموذجاً سياسياً" ينافس النموذج الاقتصادي "الريعي" ويتخطاه، على مستوى التأثير في الانهيار الاقتصادي والمالي. ولن يستقيم النموذج الاقتصادي اذا لم يجر تغيير النموذج السياسي.

الأطروحة الاقتصادية الثانية: الخصخصة شر مطلق لهذا الطرح مبرراته لِما كان لبيع القطاع العام الى القطاع الخاص من نتائج سلبية في العالم، على مستوى ديمومة العمل وحقوقه، وعلى مستوى نوعية الخدمة وسعرها. وبعدما عمّت الخصخصة البلدان عموماً على وجه التقريب، بدأت الدول تتراجع عنها وتعود الى تكليف القطاع العام تأمين الخدمات العامة وتقديمها إلى المواطنين. وقد جاء سلوك القطاع العام في مواجهة كورونا مقارنة بسلوك القطاع الخاص، ليعطي صدقية للقطاع العام على حساب القطاع الخاص.

المشكلة ان "الدولة" التي خصخصت او التي عادت عن الخصخصة، هي دولة تحظى بشيء من الصدقية وبثقة مقبولة لدى شعبها. في حين ان السلطة التي تدير مؤسساتنا العامة المطروحة خصخصتها، قد ثبت سوء إدارتها وسرقتها للمال العام، فضلاً عن تقصيرها الفاضح في تقديم خدمات عامة جيدة للمواطنين. وهذا ما يجعل الخيار، ليس بين قطاع عام وقطاع خاص، بل بين ادارة المؤسسات على يد السلطة او تسليم ادارتها للقطاع الخاص. صعوبة الاختيار تتفاقم ايضاً عندما نعلم ان اركان السلطة، في الظروف الحالية، هم الاقدر على اختيار الشركات الخاصة التي ستشتري القطاع العام وهم الذين سيراقبون عملها. مع العلم ان افراد هذه السلطة او اتباعهم يتولون مراكز مهمة او يملكون بعضاً من هذه الشركات الخاصة.

على الانتفاضة أن تأخذ جميع هذه العوامل في الاعتبار، قبل اتخاذ قرار نهائي في صدد خصخصة القطاعات، وقد يصح على قطاع ما لا يصح على غيره. في جميع الاحوال، للخصخصة أشكال عدة، تبدأ من خصخصة الادارة الى تملك كامل للمؤسسات، مروراً بالتشركة او الـ B.O.T مع الحفاظ على ملكية الدولة. ويمكن القطاع الخاص أن يكون تعاونيات او جمعيات تعاضدية نقابية، او مجموعة مساهمين موثوق بهم. الأطروحة الاقتصادية الثالثة: لا للتعامل مع صندوق النقد الدولي هذا الموقف مبني أيضاً على تجارب صندوق النقد الدولي في بلدان اخرى من خلال ما عرف بوصفة "التصحيح الهيكلي"، التي أدت الى المزيد من الفقر والمشكلات الاجتماعية الجمة.

هنا ايضاً، تكمن المشكلة في ان عدم تدخل صندوق النقد الدولي، وفي ظل هذه السلطة تحديداً، سيؤدي حتماً الى فقر ومشكلات اجتماعية اوسع واكثر حدة. مع هذا الفارق إن ضخّ صندوق النقد الدولي المال في شرايين الاقتصاد اللبناني - اذا أحسن توظيفه ولم يسرق او يهدر على يد السلطة - قد يكون له تأثير ايجابي في الانتاج والنمو، وتالياً في فرص العمل. وهذا ما لا يمكن توقعه اذا ما رفض تدخل الصندوق وتُركت هذه السلطة تتخبط في عجزها الداخلي والحصار الخارجي المفروض عليها. على الانتفاضة، الموازنة بين هذه العوامل ومحاولة التأثير في ما ستؤول اليه المفاوضات مع صندوق النقد، ومراقبة ما سوف يتفق عليه. بدل الوقوف موقف المتفرج والاكتفاء برفع شعار "لا لصندوق النقد" من دون توضيح البدائل والبرهنة على فعاليتها.

هذه الموازنة تتطلب الاستناد الى معيار مصلحة الشعب اللبناني ولبنان، وليس التساؤل ما اذا كان ذلك يخدم اميركا او ايران، او "السوق الغربية او الشرقية". الأطروحة السياسية الاولى: "كلن يعني كلن" أهمية هذا الشعار هي في انه يحمّل المسؤولية في ما وصلنا اليه الى الطبقة السياسية بكاملها وينأى بنفسه عن الاصطفافات التي تستخدمها الصراعات المذهبية لازاحة المسؤولية عن كاهلها.

يستطيع الشعار توحيد المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم المذهبية والطائفية. أثبت هذا الشعار فاعليته في بداية الانتفاضة حيث تمكن من احداث تعبئة شعبية واسعة واسقاط حكومة الرئيس الحريري. لكن الشعار سرعان ما برهن عن عدم قدرته على متابعة المسيرة. فبعد استقالة الحكومة كان على الانتفاضة ان تضغط على الرئيس عون كي يختار رئيس حكومة مستقلاً، وان تضغط بعد ذلك على الرئيس المكلف، لتأليف حكومة اختصاصيين مستقلين. فمع ان شعار "كلن يعني كلن" يعني حكماً "كل واحد منن"، لم تستطع الانتفاضة ترجمة هذا الاستنتاج البديهي على الارض. وكأن الضغط على "كل واحد منن" يتطلب جهوزية اضافية لم تكن متوافرة. مما جعلها تصر على طرح شعار "كلن يعني كلن" في مراحل كانت تتطلب تحديداً أدق للخصم المرحلي. ربما كان السبب الرئيسي في ذلك ان الضغط على الرئيس عون او الرئيس دياب كان يعني الاصطدام مباشرة بـ"حزب الله"، الذي اعلن أمينه العام صراحة أن إسقاط العهد ممنوع. التطور الخطير الذي نتج من ذلك، هو تشتت الضغط، فبعضه راح يركز على المصارف ومصرف لبنان، وبعضه الآخر بقي، لكن اعلامياً فقط، يركز على مسؤولية السلطة السياسية، اي على "كلن يعني كلن". في استعادة لما سبق وقلته في الشق الاقتصادي، الذين كانوا يركزون على مصرف لبنان والمصارف، انما كانوا يعتبرون ضمناً ان المسؤول "هو النموذج الاقتصادي الريعي"، في حين ان الذين استمروا في التركيز على "كلن يعني كلن" انما كانوا يعتبرون ضمناً ان المسؤولية تقع في الاساس على "النموذج السياسي للحكم" القائم. وقد أشار هؤلاء إلى ان التركيز على النموذج الاقتصادي هو محاولة من جماعة السلطة الحالية لازاحة المسؤولية عن افرادها، والقائه على عاتق السلطات السابقة التي حكمت في بدايات 1990 وأطلقت "النموذج الاقتصادي الريعي".

ينبغي للانتفاضة في مسيرتها الضاغطة، ان تعتمد على "المسؤولية القانونية والدستورية" في تحديد المسؤوليات، وليس الاستغراق في تحليل اقتصادي حول العوامل المؤثرة في الازمة. فالضغط هدفه إجبار الجهة المضغوط عليها، على إيجاد السبل الكفيلة بالمعالجة، وهذا لا يكون الا عبر الآليات القانونية والدستورية، الا اذا كنا في ثورة. عندما تتصرف الانتفاضة كثورة، وهي لم تتحول الى ثورة بعد، تضيّع وجهتها وتستنفد جهودها في تحركات غير مثمرة على مستوى تحقيق المطالب.

اذا لم تتحول الى ثورة، فلا بد للانتفاضة من ان توجه الضغط في اتجاه من يتحمل "المسؤولية القانونية والدستورية" في مرحلة محددة. واذا مُنعت بالقوة من ممارسة ضغطها، تطور شعارها في اتجاه الجهة المانعة. الأطروحة السياسية الثانية: إسقاط السلطة مركزياً يقول التحليل إن المسؤولية تقع على "كلن يعني كلن"، والسبب في كونهم "كلن يعني كلن" مسؤولين، هو "وجود نظام" يجعلهم جميعاً موجودين معاً ومسؤولين في السلطة. تستنتج الانتفاضة من هذا التحليل، ان التغيير الفعلي لن يكون الا بتغيير هذا "النظام" الذي يُنتج هذه السلطة. المتداول حول المقصود بـ "النظام" هو "النظام السياسي الطائفي".

الملاحظة الاولى أن النظام لم يعد طائفياً ( مسيحياً- مسلماً) بل هو مذهبي. الملاحظة الثانية انه لم يعد نظاماً "سياسياً" بل هو نظام يقوم ايضاً على القوة المسلحة. الملاحظة الثالثة انه في الواقع لم يعد "نظاماً" بل هو جزء من نظام إقليمي اوسع مع حدود مفتوحة على هذا النظام الاقليمي. ان اسقاط "النظام" تالياً، يعني في الآن نفسه مواجهة المذهبية، والقوة المسلحة والنظام الاقليمي. الاشكالية الكبرى الثانية، المرتبطة بالاولى، هي الاعتقاد بأن هذا "النظام" يسقط مركزياً. اي ان إسقاطه يحتاج الى مواجهة مركزية تقوم بها قوة سياسية موحدة على المستوى الوطني، ومختلطة على المستوى المناطقي والمذهبي. لقد علّمتنا الانتفاضة ان هذا "النظام" لا يسقط الا بجهد لا مركزي موازٍ وقوي. هذا الاتجاه اللامركزي تجلى عبر ظاهرتين. الاولى، التحركات المناطقية للانتفاضة التي تموضعت لامركزياً على رغم بعض التحركات المركزية المشتركة. الثانية، عجز الانتفاضة عن التنسيق والتنظيم مركزياً. واذا كانت الظاهرة الثانية قد فُسِّرت "تقصيرا" من الانتفاضة، فهي على الأرجح انعكاس لواقع اجتماعي سياسي يشير الى ان التغيير في الواقع الراهن، لا بد من ان يتبلور لامركزياً قبل أن يفعل فعله مركزياً.

الانعكاس السياسي لهذا الاستنتاج، هو انه ينبغي للانتفاضة ان تولي اهتماماً خاصاً للصراعات المناطقية في الانتخابات المقبلة، اي مع "كل واحد منن". وهذا يعني ان ما يناسبها أكثر هي الدوائر الوسطى وليس الدائرة الواحدة، التي يستطيع أركان السلطة في إعطارها تجميع قواهم متحدين، كما يفعلون دائماً في الانتخابات النيابية والبلدية والنقابية. النظام هو مجموعة عناصر متكاملة ومتفاعلة. ولا بد من اجل تغيره، التعديل في عناصره المكوّنة له، عبر صراعات متفرقة ومتنوعة لا تطال فقط البنى السياسية، بل البنى المجتمعية والاقتصادية والقانونية والثقافية والنفسية التي تساندها. وهذا يحتاج الى بحث آخر.

"آيا صوفيا": قصة ١٥ قرناً ونزاع لم ينتهِ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard