حالة هيام

18 نوار 2020 | 13:39

المصدر: النهار

في الطبيعة البكر تُولد قصص وحكايات ببساطة ويسر دون ألم أو معاناة

في الطبيعة البكر تُولد قصص وحكايات ببساطة ويسر دون ألم أو معاناة، عكس ميلاد كل شيء جديد، لحظة الميلاد ذاتها تنبع من رحم الألم.

إلا هذا... يبدأ ناعمًا... ويبدو هادئًا رغم كل ما يُثيره بداخلنا من صخب.

لمعت أمامه كضوء شمس باهت، كقطعة زجاج تناثرتها الأيام، تحتاج إلى يد تُزيل عنها ذلك الغلاف من حبات الثرى، تغسل أوجاعها بحروف من ندى، تُدثرها بحنو في قطعة من المخمل أو الحرير الناعم مثلها، لتنطلق بكل ألوان الحياة والأنوثة. 

طلب منها التقاط صورة له وسط هذه الواحة الخضراء النابتة بجرأة وتحدٍّ وسط الصحراء، فابتسمت موافقة، ثم سألها وآخرون الاهتمام بحقائبهم بينما يستكشفون كهفاً تحت الأرض. جلست تتابع هيام التي تتنقل بين هذه المجموعة المتناغمة، كانتا في سن متقارب، الجميع يتحدث بود، فباتت الوجوه مألوفة.

عاد الشباب من جولتهم الاستكشافية، والتراب الأصفر الرمادي يدثّر ملابسهم، أعطتهم ليلى ما تركوه معها، كاد يذهب، فنبهته لأشيائه التي تحملها، رد بصوتٍ هادئ عميق "كيف أنساها وهي حياتي؟". أثرت فيها نبرة صوته قليلًا، وشعرت كأنما يتحدث عن فتاة يحبها وليس مجرد أشياء، حدثتها نفسها ربما تكون فتاته محظوظة جدًا بشخص حنون هكذا حتى مع الجماد. انصرف الجميع إلى عين مياه عذبة، خلع الرجال ملابسهم على الفور واحتلوا المياه، ولم يعطوا أدنى فرصة للفتيات والنساء لمجرد التفكير في الأمر ذاته، إذ كانت عين المياه صغيرة لا تتسع لعددهم كاملًا.

هيام تشبه زهرة القرنفل الحمراء، تُثير ضوضاء ورائحة قوية بلونها الصريح، حتى ملابسها لم تخلُ من هذا اللون، ترتدي قبعة لتحتمي بها، لشدة خوفها على بشرتها، وتداوم على وضع كريمات للحماية، تتناول طعامًا صحيًا للمحافظة على قوامها، كررت إخبار الجميع بهذه الطقوس الخاصة، وهي توجه حديثها له بالتحديد، وقد التصقت به منذ أن بدأوا في الجولات الحرة. راحت تملأ المكان صخبًا ومرحًا، في مبالغة واضحة لُتظهر كم هي فتاة مدللة، رغم مظهرها الذي تغلب عليه العملية الممزوجة بشقاء الحياة، بدت عليها أكثر المعاناة من أحلام الفتيات في البحث عن زوج، ومثل هذه الرحلات فرصة جيدة للالتقاء برفيق العمر المُنتظر.

انقضى اليوم سريعًا، واُختتم باحتفال بين أحضان الجبل، كطائر عملاق يحتويهم في قلبه، أشرقت الشمس لتوقظ النائمين على مغامرة جديدة، مُنذرة بزيادة في حرارتها، تحملها البعض في شقاء، وشعر آخرون بالمرض، فذهب الجميع في نهاية المطاف إلى عين نيلية عذبة. تخلفت عنهم ليلى قليلًا، وذهبت هيام تبحث عن حلم آخر، يبدو أن الأول لم يرو ظمأها. سألت ليلى الشخص المار بجوارها دون النظر إلى وجهه عن الطريق إلى عين المياه، فطلب منها أن تسير معه لبضع خطوات، سألها عن اسمها، وعندما رفعت نظرها إليه وجدته هو، لم تكن هي الأخرى تعلم اسمه، وصلا إلى المكان، وكالعادة احتله الرجال.

بينما كانوا يشدون الرحال للعودة وجدت علاء يختلق أحاديث جانبية كمحاولة للتقرب منها، طلب هاتفها ليرى ما إذا كانت توجد شبكة، فأعطته إياه، وهو يعيده إليها أخبرها أنه سجل رقمه ليتواصلا فيما بعد. قفزت هيام وسطهما كتفاحة نيوتن التي سقطت على رأسه، وظلت تلفت نظر علاء، وتطلب منه أن يريها صور الرحلة، وكلما طلب منها التمهل زاد إصرارها الطفولي بعنادهم المتهور.

عادوا متأخرين، وما إن فتحت ليلى باب الشقة، حتى وجدت هاتفها يومض باسمه، ردت بصوت لاهث تشوبه نبرة تساؤل أجابه عنه سريعًا قبل أن ينطلق من شفتيها، بأنه فقط يطمئن عليها. في صباح اليوم التالي أرسل لها صباحًا عطريًا رقيقًا، وتوالت الرسائل منه ما بين صباح ومساء، مع مكالمة هاتفية يومية للسؤال عنها. شعرت بسعادة مجهولة المصدر في البداية، لكن هناك ما يقلق، يوجد إحساس مريب يتسرب إليها، وبخاصة بتجنبه الحديث عن عائلته، كل محاولاته للتقرب منها، بها شيء تجهله يُبعدها عنه!!

ذات يوم في عملها قابلت امرأة ذات عينين لامعتين ووجه مشرق مبتسم، منطلقة في حديثها بود مع الجميع، ورغم أن هذه مقابلتهما الأولى، إلا أنها اسهبت في حكاياتها عن بناتها ومنزلها الدافئ الجميل، وليكتمل التعارف كالعادة تبادلا الصداقة على الفسيبوك، وأقسمت أن تكون سببًا في زواج ليلى، لتنعم بالحياة الحقيقية. عادت لمنزلها وبدأت تتابع صديقتها المرحة الجديدة، التي لا تُخفي سعادتها عن أي شخص، ولا تبخل بتسجيل كل لحظة مع أسرتها الصغيرة، وتحت كل صورة تشكر الله على نعمة الزوج المحُب وزينة الحياة الدنيا من بنات وأبناء.

راحت تقلب في تواريخ الصور القريبة بقرب رحلتها الأخيرة، الزوج المُحب، المُخلص، هو علاء، كانت الشكوك تساورها نحوه، ولم يبلغ منها الاطمئنان ذلك الحد الذي يزعج مشاعرها، لكن توقع الشيء، لا يمنع من الصدمة عند التيقن منه، بخلاف المفاجأة التي جعلت دنياهما صغيرة إلى هذا الحد الشبيه بمشهد في فيلم أبيض وأسود.

هاتفتها هيام بصوتٍ مهزوم، مُدعية الرغبة في معرفة أخبار أصدقاء الرحلة، وفي الحقيقة تمحورت أسئلتها حول علاء!! ماذا فعل بك أيتها الهائمة أنتِ الأخرى؟ تذكرت أنه كان يتعمد تجاهلها في الرسائل التي تضم الأصدقاء، والتجاهل لا يأتي إلا بعد الانتصار، كيف تُخبرها ليلى إنه متزوج، كيف تُخبرها أنها تتشارك الخسارة مع زوجة. 

زوجة سعيدة تعيش حالة هيام...


ما رأيكم بتحضير هذه الحلوى العراقية بمكوّنات بسيطة مع المدونة ديما الأسدي؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard