هل يصبح كل مولود بشريّ إنساناً؟

23 نيسان 2020 | 10:58

المصدر: النهار

يقولون إن الإنسان مخلوق اجتماعي، ولا يقولون إنه مخلوق مجتمعي، والفارق بين العبارتين كبير وشاسع.

يقولون إن الإنسان مخلوق اجتماعي، ولا يقولون إنه مخلوق مجتمعي، والفارق بين العبارتين كبير وشاسع.

أن يكون المرء اجتماعياً هو أمر وجودي خالص، حيث إنه يولد في عائلة، ويعيش في بيئة اجتماعية، وينشأ، ويعمل، ويتعامل مع مخلوقات تشبهه في الشكل، والتركيب العضوي، والحاجات البشرية الأساسية، من أجل تأمين وسائل العيش للاستمرار والبقاء.

إنه يعيش في منزل مع أفراد عائلته، في حي سكني مزدحم أو راق، وفي بلد يتنقل فيه من مكان إلى آخر، والتواجد مع مجموعات بشرية لا تجمعه بهم علاقات إنسانية راقية، بل تواصل وجودي حتمي، شاءته سُنّة الحياة الطبيعية العادية. لا يمكن المرء الخروج من هذا التواجد، سوى في التزام العزلة، والنسك، والوحدة، التي تغلب عليها جميعاً، في أكثر الأحيان، شبهات نفسية ومسلكية تجاه الذين حوله، فيها من المظاهر الغريبة ما يسمح للناس البسطاء العاديين، وسمها، بحالات من الجنون، والهوس، واليأس، وضعف الشخصية، وفقدان القدرة على التواصل.

عندما نعترف أن الإنسان مخلوق مجتمعي، نكون قد انتقلنا به ومعه، من مرحلة النمو العضوي الطبيعي، إلى مرحلة النمو الفكري، والعقلي، والوجداني ،التي لا يدركها سوى "جماعة النخبة" الذين ينضوون معه تحت لواء مفاهيم الاحترام المتبادل، والترفع عن الأنانية وحب الظهور، وإدراك أن للآخر حياته الخاصة، وشؤونه الذاتية، وأن للفرد كياناً مستقلاً متميزاً عن الآخرين، يتواءم مع سواه من الناس في التأدب، والتفهم، والتفاهم، والمعرفة، البعيدة عن أواصر القربى، أو المصاهرة، أو العرق، أو الجنس، أو الدين، أو حظوة المال والسلطة، حيث يتكامل تواجده العضوي الطبيعي، مع دوره الإنساني الفكري المتقدم، في فضاء وجودي يجمعه مع الجميع، ويؤهله للارتفاع عن الدونيات البشرية، والوصول إلى مراحل متقدمة من التقدم، والتطور، والرقي، تسعى إليها المخلوقات الخلاقة المتبوتقة مع حضارات الشعوب والأمم كافة.

أورد مثالاً بسيطاً ومبسطاً عن الحالة الاجتماعية الظاهرة في حياة حفنة، بل ندرة من الناس البسطاء، الذين يوسمون بالجنون، والتكبر، والفوقية.

يتواجد المرء في مقهى، أو في جمع من الناس، ولا يكون منهم، بل يكون معهم وبينهم، أي يكون متواجداً معهم اجتماعياً، فلا يتحاور معهم، أو يحاولون التحاور معه، فلا يتواعد للقائهم أو يواعدونه، إنما تجمعهم الصدفة، أو واجبات وضرورات اجتماعية حياية عادية. إما يأنس أو لا يأنس لوجودهم حوله، من المكن أن يشاهدهم أو يشاهدونه، بل يبقى بينهم ومعهم إلى حين انتهاء قيامه بالواجب، أو إلى حين شعوره بملل الوقت الضائع.

يعيش المرء حضوره المجتمعي عندما يشعر أن لحضوره ضرورة ، وهدفاً، وغاية، تسمو فوق روتين الحياة، وتكرار المواقف.

تظهر لدى الإنسان المجتمعي، في الغالب، القدرة على تطويع عقله على استيعاب وقبول أفكار ومواقف عقول مطواعة أخرى متواجدة معه، من شأنها أن تقود المسار الجدلي الإيجابي الدائر في ما بينهم، إلى أفكار ومواقف خلاقة جديدة ومنتجة، تخلق وتقدم حلولاً وآراء فاعلة للمجتمع الإنساني الراقي المتقدم.

تطرقت إلى ما أتيت على ذكره أعلاه حتى أفصح عن معاناة كل امرئ شاءت ظروفه الحياتية القاسية أن تعيده إلى حطام اجتماعي خانق، لا ينأى عن الثرثرة والنميمة، بل يحياها كأنما هي واجب اجتماعي، وضرورة حياتية أساسية.



خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard