ليل أمس

14 شباط 2020 | 12:27

الرجل قليلٌ أحيانًا قليلٌ قليلٌ قليل.

13 شباط – 14 شباط 2020، من منتصف الليل نزولًا إلى القعر.

ليل أمس، اصطحبتُكِ سرًّا أو علنًا إلى البيت. لا أتذكّر.

لا أتذكّر أين كنّا، ولا كيف وصلنا، ولا ماذا قال أحدنا للآخر.

لا أتذكّر أيضًا كم من الوقت كان ينبغي لي أنْ أنزف قبل أن نصل.

لم نأتِ من مكانٍ بعيد، لكنّي ظننتُ أنّ عمرًا يفلت من حياتي، وأنّ وحشًا يأكل أحشائي من جرّاء الوقت الضائع.

عندما فتحتُ الباب، أذكر أنّ الحياة كانت خربةً في الخارج والداخل.

أذكر أنّكِ كنتِ تشتعلين وتمعنين وتتّكئين.

لا أعرف شيئًا عنكِ سوى أنّنا تعارفنا للتوّ، وجئنا معًا للتوّ.

قلتِ إنّنا نعرف أحدنا الآخر من زمان، وإنّ السبب هو عينايَ اللتان كانتا تتضرّعان عندما وَقَعَتا على عينيكِ، وقلتِ إنّك لا تتحمّلين تبكيت التضرّع، ولا تريدين أنْ يُقال ثمّةَ نظرةٌ متضرّعةٌ كهذه قد ذهبتْ إهدارًا، وأنتِ تشهدين.

أعرف عنكِ أشياء كثيرة بالطبع.

من مثل أنّكِ امرأةٌ للغاية.

من مثل أنّ الشعراء ينخلعون أمامكِ. يا لتعاسة الشعراء!

من مثل أنّي أنا أيضًا تهرّبتُ وتحاشيتُ وتفاديتُ الارتطام بقَدَرٍ كهذا، لكنّي لم أستطع إخفاء ضعفي الذي كان يئنّ من فرطكِ، إلى حدٍّ مُهلكٍ ولا يُطاق.

من مثل أنّكِ كنتِ تتراقصين في عريكِ التامّ، على رغم الشتاء الذي تتلفّعين بثيابه السميكة.

من مثل أنّكِ، عندما هَمَمْتِ بعينيَّ، خلعتِ ماضيكِ خلعًا مهيبًا، لئلًا يُحدِث حفيفًا مؤذيًا في المكان.

من مثل أنّك نزعتِ حذاءكِ عند الباب. قلتِ إنّك تفضّلين المشي حافيةً لئلّا يُساء فهمُ الموسيقى.

الرجل قليلٌ أحيانًا. قليلٌ قليلٌ قليل.

شعرْتُ بأنّي محتاجٌ فعلًا إلى أعجوبة، لأكون مكافئًا لمجيئكِ.

إذ، من أين لشاعرٍ مهجوسٍ بالعزلة، أنْ يكون أهلًا لمجيءٍ اعتباطيٍّ يشبه تشلُّق جبلٍ ثلجيٍّ لم يعرفْ تشلّقًا من قبل.

أوقدتُ لنا الموقدة.

فتحتُ زجاجة نبيذٍ من النوع الذي يُشرَب في باريس عندما تُزار للمرّة الأولى.

لم نشعل ضوءًا.

كان ضوؤكِ كثيرًا ومُعطِبا في الحين نفسه.

سمعْتُكِ تقولين إنّي جائعة. إنّي جائعة.

لم يكن في البيت ثمّة طعامٌ يُحسَب له حسابٌ سوى قلبي، وما يبقى من القلب بعد الانتهاء منه.

لا أذكر أنّي فرشتُ لنا لننام أمام الموقدة.

لا أذكر شيئًا ممّا كان. ممّا سيكون.

أذكر فقط أنّي مريضكِ. وأنّي تحسّستُ موضع قلبي فلم أعثرْ على قلبي. ولا على موضع قلبي.

Akl.awit@annahar.com.lb






اليسا في "النهار": تكشف اسراراً وتبوح



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard