إسقاط الطائرة الأوكرانيّة... "نقطة تحوّل تشرنوبيليّة" لإيران؟

15 كانون الثاني 2020 | 18:58

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

إضاءة شموع في مطار بوريسبيل الدولي بالقرب من كييف على نية طاقم الطائرة الأوكرانية المنكوبة - "أ ب"

كان لافتاً للنظر كيف أنّ أكثر من تقرير وصف إسقاط طهران للطائرة الأوكرانيّة بأنّها "تشرنوبيل" إيران. ذكر موقع "دايلي بيست" الأميركيّ أنّ كارثة تشرنوبيل سنة 1986 أظهرت جميع أنواع غياب الكفاءة في الاتّحاد السوفياتيّ إضافة إلى الخداع الذي مارسته الدولة في ذلك الوقت. وأبرزت أيضاً مسار تحلّل الاتّحاد. ورأى الموقع أنّ لهذه القضيّة الفعل نفسه على الجمهوريّة الإسلاميّة مضيفاً أنّ بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعيّ بدأوا يشيرون إلى بعض من التداعيات المحتملة.

تلكّؤ في تحمّل المسؤوليّة

تأخّرت إيران في الإعلان عن مسؤوليّتها في إسقاط رحلة 752. أطلقت بداية مجموعة من التصريحات التي نفت أن يكون لها يد في الحادثة قبل أن تميل البيانات إلى نوع من الضبابيّة. علمت إيران حجم المسؤوليّتين المعنويّة والمادّيّة اللتين ستتحمّلهما نتيجة لاستهدافها الطائرة عن طريق الخطأ صباح الأربعاء الماضي. أتى ذلك خلال هجومها على قاعدتين عسكريّتين أميركيّتين، ردّاً على اغتيال واشنطن قاسم سليماني. وراح ضحية الاستهداف جميع من كانوا على متن الطائرة: 176 شخصاً من بينهم 82 إيرانيّاً و 63 كنديّاً و 9 أوكرانيّين من الطاقم إضافة إلى أربعة أفغان وأربعة بريطانيّين وثلاثة ألمان. والعديد من الضحايا هم من المدنيّين ذوي الجنسيّة المزدوجة.

أعلنت إيران في البداية رفضها تسليم الصندوقين الأسودين إلى شركة "بوينغ" أو إلى الولايات المتّحدة في وقت نفت أن تكون الطائرة قد أسقطت بصاروخ إيرانيّ. ثمّ قالت لاحقاً إنّ التحقيق قد يتأخّر لأكثر من عام، قبل أن تعترف السبت بأنّها أسقطت الطائرة عن طريق الخطأ. وأثيرت تساؤلات عن السبب الذي دفع طهران إلى عدم إغلاق المجال الجوّيّ أمام الطائرات المدنيّة في ذروة التوتّر.

اتهامات

ذهب البعض إلى توجيه اتّهامات أكثر جذريّة، ومن بينهم ياسر ميردامادي، الباحث في الدراسات الإسلامية في لندن والذي تربطه علاقة قربى مع المرشد الأعلى للجمهوريّة الإسلاميّة علي خامنئي. نقل "دايلي بيست" عن ميرامادي قوله إنّ إيران تهتم بحياة الأجانب أكثر من اهتمامها بمواطنيها. فالحرس الثوري وجّه صواريخه ضد القاعدتين العسكريتين في العراق بطريقة تتفادى سقوط ضحايا أميركيّين. وذكر أيضاً كيف بدا أنّ العديد من الرحلات الجوّيّة في المنطقة مثل مصر والأردن والبحرين تمّ إلغاؤها خلال الأزمة بينما استمرّ السماح بتحليق الطائرات المدنيّة داخل الأجواء الإيرانيّة نفسها. ومرّة أخرى رفعت التظاهرات المندّدة بالحكم الإيرانيّ وطريقة تعامله مع قضيّة الطائرة المنكوبة شعارات وهتافات لم توفّر المرشد الأعلى.

أعلن المسؤولون الإيرانيّون أنّه ستتمّ محاسبة المتورّطين في إسقاط الرحلة 752 وقدّموا تعازيهم إلى أسر الضحايا ووصف الرئيس الإيرانيّ ما جرى بأنّه "خطأ لا يغتفر". لكنّهم في الوقت نفسه قالوا إنّ الحادث جرى خلال أزمة تسبّبت بها الولايات المتّحدة. وهذا كان موقف وزير الخارجيّة محمّد جواد ظريف. روحاني أيضاً قال إنّ الولايات المتّحدة هي "السبب الرئيسيّ وراء كلّ هذه الأحداث وهي التي تسبّبت بوقوع مثل هذه الأحداث". وأضاف: "لكنّ هذا السبب لا يعدّ مبرّراً لعدم البحث عن أسباب الحادثة بكلّ أبعادها." كما طالب المسؤولين بتقديم شرح عن سبب استغراق الإعلان عن سبب الكارثة الجوّيّة كلّ هذه الفترة.

من جهتها، نقلت شبكة "سي أن أن" عن نائبة مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد "تشاتام هاوس" الملكيّ الدكتورة سنام وكيل قولها: "يمكن أن تكون هذه لحظة تشرنوبيل إيران". ورأت أنّ هنالك تشابهات بين الحادثتين، كمحاولة التغطية والإنكار المتكرّر والاعتراف المتلكّئ، لكنّ المتوازيات قد تنتهي هنا وفقاً لرأيها. وأشارت إلى صعوبة سقوط النظام "من دون ... معارضة منظّمة ومتّحدة".

ليس غورباتشيف

تضافرت عدد من العوامل التي تسبّبت بنهاية الاتّحاد السوفياتي، وانفجار تشرنوبيل يملك بصمة مباشرة في المسار الأخير للاتّحاد. على الأقلّ، يرى ميخائيل غورباتشيف أنّ انفجار تشرنوبيل "نقطة تحوّل" في التاريخ السوفياتيّ، بما أنّه "فتح احتمال حرية تعبير أعظم بكثير، إلى حدّ أنّ النظام كما عرفناه لم يعد بإمكانه الاستمرار."

يرى مارك جوزف ستيرن في موقع "سلايت" الأميركيّ أنّ غورباتشيف أدخل الانفتاح (غلاسنوت) قبل أشهر قليلة على الانفجار. وبما أنّ غورباتشيف أصرّ على أنّه إصلاحيّ وقف إلى جانب الإنتلّيجنسيا، لذلك كان عليه القبول بالانتقادات التي وُجّهت إليه من قبل المتشدّدين ومن قبل المواطنين في مسألة تشرنوبيل. ويذكر الكاتب أنّه منذ ذلك الحين، لم يعد المواطن السوفياتيّ يتسامح مع أخطاء الاتحاد ويأمل بمستقبل أفضل ضمن أسسه. لقد غدا بالنسبة إليهم نظاماً غير قابل للإصلاح.

ربّما غياب شخصيّة كغورباتشيف في إيران اليوم هو الذي يجعل للمقارنة بين الحدثين حدوداً. هذا ما يعتقده الكاتب المتخصّص في شؤون الشرق الأوسط والعالم الإسلاميّ بوبي غوش في شبكة "بلومبيرغ". فروحاني ليس "غورباتشيف إيران" وفقاً لآمال في غير محلّها وضعها بعض الغربيّين. كما أنّ خامنئي بعيد من أن يكون تلك الشخصيّة مع تكريس جهده للحفاظ على منصبه والنظام الدينيّ الذي ترتكز إليه إيران، إضافة إلى أنّه يحظى بولاء لا يتزعزع من الحرس الثوريّ.


نقطة مشتركة

مع ذلك، ثمّة أسئلة أخرى عن مدى قدرة إيران على مواجهة احتمال ازدياد عزلتها دوليّاً. إذا كان يصعب اليوم قياس حجم الغضب الشعبيّ من تعامل إيران مع الرحلة 752 كما قياس حجم غياب ثقة الإيرانيّين بإمكانيّة إصلاح النظام من الداخل كما حصل مع السوفيات سنة 1986، فهناك تحدّيات خارجيّة جديدة أمام طهران. ستواجه الأخيرة على الأرجح غضباً كنديّاً، يضاف إليه تشكيك أوروبّيّ متزايد بالدور الإيرانيّ، برزت ملامحه ربّما في تفعيل آليّة الخلاف حول الاتّفاق النوويّ، بالرغم من أنّه لا يزال خطوة شبه رمزيّة إلى اليوم.

بين تشرنوبيل والرحلة 752 نقطة مشتركة واضحة: أوكرانيا. فهي البلد الذي شهد الانفجار وهي بلد تسجيل طائرة البوينغ المنكوبة. فهل تكون هذه النقطة المشتركة منطلقاً لمسار تاريخيّ مشابه بين الاتّحاد السوفياتيّ وإيران؟ الإجابة صعبة اليوم بوجود توازن بين معايير التشابه والاختلاف بين كانون الثاني 2020 ونيسان 1986. لكنّ محبّي المقارنات سيتذكّرون جيّداً هذين التاريخين.

اليسا في "النهار": تكشف اسراراً وتبوح



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard