بعد سنة على العقوبات النفطيّة... الإيرانيون في الشارع والنتائج لم تطابق الطموحات

20 تشرين الثاني 2019 | 16:19

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

احتجاجات في مدينة ساري الإيرانية، 16 تشرين الثاني 2019 - "أ ب".

بعد سنة على فرض الاميركيّين عقوبات على القطاع النفطيّ الإيرانيّ، نزل المواطنون الإيرانيّون إلى الشوارع احتجاجاً على رفع الحكومة أسعار الوقود يوم الجمعة الماضي. أتت الاحتجاجات أيضاً بعد أيّام على إعلان الرئيس الإيرانيّ حسن روحاني اكتشاف حقل نفطيّ جديد تقدّر احتياطاته ب 53 تريليون برميل. بين تشرين الثاني 2018 وتشرين الثاني 2019 عدد من العقوبات التي طالت القطاع النفطيّ إلى جانب قطاعات إنتاجيّة أخرى. لكنّ أهمّيّة استهداف "الذهب الأسود" الإيرانيّ بالنسبة إلى الأميركيّين تكمن في أنّها تصيب العصب الحيويّ للاقتصاد الإيرانيّ. في تشرين الثاني 2018، أعطت الولايات المتّحدة إعفاءات لثماني دول بارزة من تلك العقوبات حتى تجد أسواقاً بديلة.

نتائج لم تطابق الطموحات

عمليّاً أيضاً، منح الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب إعفاءات لدول صناعيّة بارزة مثل الصين وكوريا الجنوبيّة واليابان والهند لجعل الاقتصاد العالميّ يتفادى المزيد من التباطؤ كما للحفاظ على استقرار أسعار النفط العالميّة. بالتالي، كانت الضربة الأكثر إيلاماً للقطاع النفطيّ الإيرانيّ في أيّار الماضي، حين أنهت الإدارة تلك الإعفاءات. في هذه الأثناء، بقي رهان طهران الأكبر على الصين كي تخرق العقوبات الأميركيّة، لكنّ النتائج لم تطابق الطموحات.

أصدرت "خدمة أبحاث الكونغرس" دراسة منذ خمسة أيّام وجدت أنّ الصين استوردت في تشرين الأوّل الماضي 161 ألف برميل يوميّاً فقط مقارنة ب 838 ألفاً في تشرين الأوّل 2019. وخلال العقوبات الأمميّة التي سبقت الاتّفاق النوويّ، هبط استيراد الصين للنفط الإيرانيّ من 600 ألف برميل يوميّاً سنة 2011 حتى 435 ألف بين 2012 و 2016، ممّا يعني أنّ بيجينغ أكثر تضييقاً لاستيراد النفط الإيرانيّ في عهد ترامب ممّا كانت عليه حين كانت العقوبات المفروضة على طهران أمميّة.

تختلف التقديرات حول حجم انهيار قدرة إيران على تصدير نفطها. فمن حوالي 2.2 مليون برميل يوميّاً قبل فرض العقوبات إلى ما دون 500 وحتى 200 ألف في الأشهر الماضية. وفي الأوّل من الشهر الحاليّ، أعلنت هيئة تنظيم سوق الطاقة التركيّة أنّ مشتريات الغاز الإيرانيّ انخفضت في آب إلى ثلث الكمّيّة التي كان طهران تصدّرها إلى أنقرة في الشهر نفسه من العام الماضي. وكانت تلك الكمّيّة هي الأدنى خلال عشر سنوات. ولم تتلقّ تركيا أي شحنة نفطيّة من إيران منذ حزيران 2019.

محاولات التفاف

تعرّضت إيران طويلاً للعقوبات الأميركيّة والأمميّة لذلك تعلّمت كيف تتكيّف معها أو تلتفّ حولها قدر المستطاع. عادة ما تطفئ ناقلات النفط الإيرانيّة أجهزة الإرسال والتلقّي كي تخفي نشاطها عن الأقمار الاصطناعيّة مما يساعدها على نقل نفطها من سفينة إلى أخرى عوضاً عن أن يكون الأمر من سفنها مباشرة إلى مرافئ الدول المستوردة. ونقلت شبكة "بلومبيرغ" أنّ واردات الصين النفطيّة عبر هذه الطريقة ارتفعت ثلاثة أضعاف من آب حتى أيلول الماضيين فوصلت إلى 910 آلاف طنّ.

وعلى الرغم من أنّ مصدر النفط بقي مجهولاً، نقلت الشبكة عن رئيس برنامج طاقة الصين في "معهد أوكسفورد لدراسات الطاقة" مايكل مايدن قوله إنّه يرجّح جدّاً أن يكون مصدر هذا النفط فنزويليّاً أو إيرانياً. لكن ليس واضحاً ما إذا كانت هذه الواردات النفطيّة قد عبرت الجمارك الصينيّة أو أنّها خُزّنت في مستودعات خاصّة، وبالتالي هي لا تُحسب من ضمن عمليّات الشراء التامّة.

هدفان وحسابات

تجسّد الصادرات النفطيّة نحو 80% من إجمالي مداخيل صادراتها، ويشير هذا الرقم إلى حيويّة القطاع النفطيّ لإبقاء الاقتصاد الإيرانيّ عائماً. لكنْ ثمّة أسباب أخرى قد تفسّر الخطوة الإيرانيّة وهي لا تتعلّق بالمال فقط. ذكر المستشار الماليّ في "مؤسّسة الدفاع عن الديموقراطيّات" سعيد قاسمي نجاد أنّ الهدف الأساسيّ من رفع أسعار الوقود هو تقليص الاستهلاك الذي ارتفع سنة 2018 بنسبة 14.2%. وفي حال استمرّ هذا الارتفاع بالنسبة الحاليّة سيتخطّى أواسط السنة المقبلة الإنتاج اليوميّ لإيران والمقدّر ب 105 مليون ليتر.

ونقل عن صندوق النقد الدوليّ إشارته إلى أنّ طهران بحاجة لبيع البرميل ب 155 دولاراً لخلق التوازن في موازنتها الحاليّة (2019) بينما السعر الحاليّ يقارب 60 دولاراً، لذلك، قد يساعد خفض الاستهلاك الداخليّ على توفير كمّيّة أكبر مخصّصة للتصدير. لكنّ إيران ستكون بحاجة إلى سعر برميل يصل إلى 194.06 دولارات لتحقيق التوازن في موازنة 2020 وفقاً لصندوق النقد أيضاً

من جهة ثانية، قالت الحكومة إنّ هدفها من رفع أسعار الوقود هو محاربة التهريب. لكنّ هذا الادّعاء لا يصمد كثيراً بحسب الباحث الزائر في "معهد بروكينغز" – مركز الدوحة، علي فتح الله نجاد. فعلى الرغم من أنّ ارتفاع الأسعار يقلّص هامش الربح، يبقى هذا القطاع مربحاً خصوصاً للكيانات الكبيرة المرتبطة بالحرس الثوريّ لأنّ أسعار الغاز في العراق وأفغانستان تبلغ ضعف الأسعار في السوق الإيرانيّة.

حتى بالنسبة إلى إعادة توزيع الأرباح على العائلات الأكثر فقراً بحسب وعود روحاني لا تبدو مطابقة للأرقام وفقاً لحسابات نجاد. مع احتساب معدّل سيارة متوسّطة الحجم بسعة 55 ليتراً، إنّ أرباح الفرد الواحد، أي 55 ألف تومان (4.44 دولاراً)، لن تعوّض ارتفاع أسعار الوقود ب 1500 تومان للّيتر الواحد.

"حقّ مكتسب"

لا ترتبط قضيّة رفع أسعار الوقود بانخفاض ثقة الإيرانيّين بإمكانيّة تحويل الموارد إلى العائلات الأكثر فقراً وحسب. يجد الإيرانيّون مسألة دعم أسعار الوقود "حقّاً مكتسباً بالولادة" بحسب عبارة جون غامبريل من وكالة "أسوشييتد برس". وبسبب ارتفاع نسبة البطالة، يعمل العديد من الإيرانيّين كسائقي أجرة بطريقة غير رسميّة. بالتالي، ثمّة قطاع إنتاجيّ، ولو غير رسميّ، سيتضرّر هو الآخر.

على الرغم من الخضّات التي تعرّض لها القطاع النفطيّ الإيرانيّ والأزمات الماليّة والاقتصاديّة التي نتجت عنها، اختارت الحكومة الإيرانيّة رفع الدعم عن أسعار الوقود ممّا سيؤدّي إلى رفعها بحوالي ثلاثة أضعاف في حال تجاوز المواطنون حدّاً معيّناً من الاستهلاك. فلماذا راهنت الحكومة الإيرانيّة على أنّ خطوة كهذه لن تؤدّي إلى غضب واسع؟ ألأنّها نجحت في الماضي القريب في إخماد هذا النوع من الاحتجاجات، أم لأنّها راهنت على أنّ أسعار الوقود حتى بعد ارتفاعها، ستبقى في المرتبة الثالثة الأدنى عالميّاً؟ ربّما توفّر الأيّام المقبلة بعضاً من الأجوبة.

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard