متى يمكن الحُكم على نجاح التظاهرات؟

25 تشرين الأول 2019 | 19:24

المصدر: "النهار"

تظاهرات بيروت، 21 تشرين الأول 2019 - "أ ب"

بعد تسعة أيّام من التظاهرات التي عمّت الشوارع اللبنانيّة يبدو أنّ حجم التلقّف الحكوميّ لمطالب المهرجان الشعبيّ أقلّ ممّا هو متوقّع. لا يزال من المبكر الحكم على إمكانيّة تحويل مطالب الناس إلى واقع يتجسّد بداية في سقوط الحكومة الحاليّة والسماح بتشكيل حكومة اختصاصيّين. بحسب المرجّح، يبقى الاحتمال الأكبر في أن يكون ردّ المسؤولين بإجراء تعديل حكوميّ غير واضحة معالمه بعد. لكنّ نتائج التظاهرات لا تنحصر في تحقّق المطالب الشعبيّة على مستوى السلطة وحسب، بغضّ النظر عن كون إسقاط الحكومة هو الهدف الأوّل والمباشر للمحتجّين. من بين أبرز انعكاسات الحراك الشعبيّ في أيّ دولة تحقّق تغييرات اجتماعيّة يمكن أن تُلاحَظ سريعاً.

إيجابيّات وتحدّيات

يقدّم موقع "ذا بيرسبكتيف" (المنظور) عدداً من الإيجابيّات التي تسمح المظاهرات السلميّة بتحقيقها. هي أوّلاً تدفع المجموعات المهمّشة إلى الواجهة مجدّداً، كما حصل مع عمّال المناجم والفحم الذين نجحوا في إيصال صوتهم وتحقيق مطالبهم في عدد من الدول البارزة مثل المملكة المتّحدة والولايات المتّحدة والصين. كذلك، تعزّز التظاهرات أواصر التضامن لا بين من يتشاركون الأسى والمشاكل بل بين من يتشاركون مصيراً مشتركاً. ومن بين الأمثلة على ذلك، مظاهر التضامن الدوليّ مع مسيرة النساء في الولايات المتّحدة أو مع المظاهرات في هونغ كونغ.

مظاهرات هونغ كونغ - "أ ب"

شاركت الطبقتان الفقيرة والمتوسّطة بكثافة في التظاهرات اللبنانيّة. أدلى فنّانون وأساتذة وسائقو سيّارات أجرة ومزارعون وغيرهم بآرائهم ومطالبهم خلال مشاركتهم في التحرّكات. كذلك تركت صور أصحاب الاحتياجات الخاصّة وهم مشاركون في قيادة الحراك وقعاً كبيراً أيضاً. من جهتها، أنتجت التظاهرات قدرة الشعب اللبنانيّ على اختراق الكثير من الحواجز الطائفيّة في مشهد فريد من نوعه أدهش معظم إن لم يكن جميع المراقبين. في هذا الوقت، حاز المتظاهرون على تضامن إعلاميّ غربيّ واسع إضافة إلى دعم بارز من اللبنانيّين المغتربين في دول الانتشار.

"أ ب"

يصعب على الحكومة اللبنانيّة تجاهل الإنجازات الاجتماعيّة التي حقّقتها التظاهرات إلى الآن. بالمقابل، ثمّة تحدّيات تواجه الحركات الاحتجاجيّة في جميع دول العالم بما فيها لبنان. لا ينفي تقرير "ذا بيرسبكتيف" تحقيق التظاهرات نتائج ميدانيّة مثل إسقاط رؤساء ورفع الأجور. لكنّ هذه الحركات ليست ناجحة بالمقدار الذي يظنّه البعض. ففي دراسة صادرة عن جامعة "برينستون" الأميركيّة سنة 2014، تبيّن أنّ الرأي العام لا يؤثّر كثيراً على صناعة السياسات. التظاهرات ضدّ الحرب على فيتنام سنة 1965 لم تنجح في الولايات المتّحدة والأمر نفسه ينطبق على مناهضة الحرب ضدّ العراق في واشنطن ولندن. حتى مسيرة الحقوق المدنيّة التي ألقى فيها مارتن لوثر كينغ خطابه الشهير لم تكن وحدها ما أقرّ التشريعات الحقوقيّة اللاحقة.

مكسب مؤجّل

بحسب بعض الأبحاث، إنّ العلاقة بين التظاهرات والاستجابة السياسيّة لمطالبها موجودة غير أنّها في كثير من الأحيان غير مباشرة. في 2011، أصدار علماء اقتصاد من جامعتي هارفارد وستوكهولم دراسة بيّنوا فيها كيف بإمكان التظاهرات التأثير على النتائج الانتخابيّة في المدى البعيد. ودرس هؤلاء نشأة "حزب الشاي" ودعوته في 15 نيسان 2009 لاحتجاجات ضدّ الإنفاق الحكوميّ وزيادة الضرائب. تفاوتت أعداد المتظاهرين بحسب المناطق التي شهدت أو لم تشهد أمطاراً في ذلك اليوم. وفي انتخابات الكونغرس سنة 2010، حصد الجمهوريّون عدداً أكبر من الأصوات في الدوائر الانتخابيّة التي لم تشهد أمطاراً أي تلك التي ضمّت عدداً أكبر من المتظاهرين. كان لذلك تأثيرات مستدامة على التصويت والمساهمات السياسية والمشاركة المستقبليّة في حزب الشاي.

بعض ضرورات النجاح

إنّ تأثير الحشود في بعض الأحيان لا يترك نتائجه على طريقة صناعة القرار سريعاً لكنّه يطلقها على صعيد توسيع النشاط السياسيّ بمرور الوقت والذي يتحوّل بدوره إلى أصوات في صناديق الاقتراع. لكن حتى هذا التسلسل قد لا يكون مضموناً من دون قواعد عمل. في نيسان 2017، تحدّث عدد من المحلّلين إلى موقع "فوكس" الأميركيّ عن أربع خطط يستحسن اتّباعها لكي تصل الاحتجاجات إلى أهدافها. يجب على الهدف أن يكون محدّداً بحسب دانيال جيليون، عالم اجتماع في جامعة بنسيلفانيا. أمّا دانا فيشر، عالمة الاجتماع في جامعة ميريلاند، فتحدّثت عن ضرورة توحيد الشعارات وتحويل الطاقة والكلام إلى "تكتيكات فعّالة"، كتوجيه رسائل واضحة إلى أعضاء الكونغرس للضغط على الرئيس الأميركيّ في بعض المطالب. ورأى عالم النفس الذي أجرى دراسات مكثّفة على التظاهرات في آيرلندا سياموس باور أنّ التحوّل من الفعل إلى ردّ الفعل يجعل من الحركات الاحتجاجية أكثر فاعليّة.

مظاهرات العراق، 24 تشرين الأول 2019 - "أ ب"

اليوم، لا يزال أمام الحراك الاجتماعيّ اللبنانيّ الكثير من العمل للمضيّ قدماً. فإضافة إلى متابعة اختيار قيادة له، علماً أنّ متظاهرين يرون أنّ غياب القيادة يجنّب ممارسة الحكومة ضغطاً على الحراك. بغضّ النظر عن هذه النقطة، يحتاج المتظاهرون إلى توحيد الشعارات. فإذا كان تفويض مهمّة قيادة الحراك إلى بعض الأشخاص غير ضروريّ بحسب بعض المراقبين، فإنّ توحيد الشعارات والمطالب يبقى أكثر إلحاحاً لكن أكثر صعوبة أيضاً. مردّ ذلك إلى حجم التنوّع في الأطياف السياسيّة والمذهبيّة والفكريّة. حتى عبارة "إسقاط نظام" لا تحمل معنى واحداً لدى المتظاهرين، هذا إن لم تكن تلقى معارضة وتخوّف قسم آخر منهم. يساعد توحيد الشعارات والأهداف وتنظيم التحرّكات المقبلة على نقل الاحتجاج من حالة ردّ الفعل إلى الفعل. ليس هذا وحسب. تنطلق الاحتجاجات بسبب وجود مشكلة أو أزمة. تقع أولويّة إيجاد الحلّ على المتظاهرين بينما يكون تنفيذ الحلّ على عاتق الحكومة أو أصحاب السلطة عموماً.

"تعقيد"

ثمّة كثير من العوامل التي تحدّد فشل أو نجاح التظاهرات. على أيّ حال، إنّ ظهور إخفاقاتها أو نجاحاتها يستغرق وقتاً للتبلور. لذلك، يُعدّ صعباً على المراقبين إصدار أحكام على التظاهرات في أيامها وحتى أسابيعها الأولى وفقاً لما قالته ل "فوكس" عالمة الاجتماع في جامعة ويسكونسن باميلا أوليفر: "إنّها إلى هذا الحدّ نظام فوضويّ ومعقّد".

قصة المرأة الخارقة: فقدت فجأة القدرة على المشي وأصبحت بطلة!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard