ثورة مَن على مَن؟

19 تشرين الأول 2019 | 12:16

من التحرّكات في رياض الصلح (حسن عسل).

هل انتفاضة الشعب اللبناني اليوم هي فعلا نتيجة ضريبة الواتساب؟ أي ان اللبناني لا يمكنه ان ينتفض الا اذا حرمته من وسائل التمايز عن اللبناني الآخر لان هذه المقارنة مع الآخرين هي ما تحدد هوية كل واحد منا وبالتالي استعدادنا للدفاع عن هذه الهوية ام لا. لذا ترى اللبناني يثور حين تمس بدينه لان هذا الدين هو ما يميزه عن اللبناني الآخر من ديانة أخرى. ولذا ايضا نرى اللبناني ينتفض للاحتجاج على تراكم النفايات أمام المنازل وعلى الطرقات ليس فقط لضررها البيئي بل ايضا لانها تصيب صورة كل واحد منا في قريته او حيه مقارنة باللبناني الآخر من قرية أخرى او حي آخر وهذا ما يفسر رفض اي منطقة استقبال مطامر النفايات عندها بينما لا يضرها وجود الكسارات أو معامل الترابة او محطات ومولدات الكهرباء. هكذا ايضا كان مفعول الرسوم التي فرضت على الواتساب لانه من الوسائل القليلة التي يتواصل من خلالها اللبناني مع اللبناني الآخر وتسمح له بتأكيد تمايزه عن الآخرين بما يمس بهويته الذاتية وبعلاقتها مع الخارج. اما ان تطال معيشة المواطن ومعاشه ومصدر عيشه فهذا لوحده لن يوفر الظروف اللازمة لاثارة ثورة طالما ان هذه التطاولات على جيب المواطن تتم بصورة خفية عن نظر اللبنانيين الآخرين . بالطبع لا دراسة علمية بذلك ولكن فقط إشارة الى ما يحصل اليوم والتجارب التاريخية المماثلة. إلا ان هذه المرة تختلف هذه المظاهرات عن سابقاتها من حيث وسع انتشارها على الارض وتجرؤ شعاراتها ان تطال جميع الأفرقاء دون وضع فيتو على اي زعيم.

هذه الثورة بعكس سابقاتها ليس لديها اي قيادة بما في ذلك من ايجابيات وسلبيات، فمن إيجابياتها انها لا تحصر المشاركة فيها بتوجهات مجموعة محددة بل تتسع لجميع التناقضات، ومن سلبياتها انه مشكوك في عفويتها على الرغم من أحقية مطالبها. كما ان شعارات هذه الثورة لم تقف عند عتبة سقوط الحكومة وبالتالي استهدافها فقط للاعب السني دون غيره، بل وصلت الى أبواب القصر الجمهوري وعقر دار رئيس المجلس النيابي مطالبة ايضا برفع السرية المصرفية عن جميع حسابات المسؤولين منذ عام ١٩٩١ لكي تتم المحاسبة واسترداد الأموال المنهوبة بمقتضاه. كما تم تحييد الجيش لساعات متقدمة من الليل لا بل تصاعدت أصوات بالمطالبة بتسلمه الحكم وإشرافه على انتخابات نيابية مبكرة. وحدها اعمال العنف والشغب ليلا استدعت تدخل الجيش بشكل كثيف مما قد يعرض هيبته للاهتزاز.

والملفت للنظر هو استمرار اهل الحكم بتراشق الاتهامات فيما بينهم وكأن شيئا لم يكن، لا بل وكأن كل شيء متفق عليه مسبقا بانتظار استكمال الطبخة. ليست المرة الاولى التي تقدم فيها الأطراف السياسية اوراقا اصلاحية ووعود ولا المرة الاخيرة ايضا التي ستحدد فيها فترات زمنية عند حلولها سيكشف الغيب على أمر حسن! ربما الإيجابية الوحيدة الشبه مؤكدة لهذه الثورة هي إسقاط مبدأ الحكومات الوطنية الذي شتت المسؤوليات منذ الطائف الى الآن. علما انه كلما تشكلت حكومة من لون سياسي واحد سقطت في الشارع او في الانتخابات. فطالما لن يتغير أداء السلطة الحاكمة ستسقط هذه الحكومات لا محالة تحت حمل هفواتها. ومن غير المعروف بعد ان كنّا امام اجراء تعديل وزاري بسيط ام سنذهب الى استقالة الحكومة ولكن في مطلق الاحوال ماذا يرتجى من اي تعديل وزاري إن لم يتم تعيين وزراء كفوئين وأصحاب ضمير حي وشخصيات محترفة في الحقائب الوزارية؟ كيف يمكن ان يطلب من الشعب التضحية من خلال دفع فاتورة إضافية للهدر والفساد طالما ان المسؤولين غير مسؤولين، لا بل يتحالفون مع بعضهم البعض على حساب المصلحة العامة؟ اسألوا الرئيس السابق للهيئة العليا للتأديب واسألوا رئيس التفتيش واسألوا نادي القضاة واسألوا اساتذة الجامعة اللبنانية واسألوا المرافق الحدودية واسألوا الأملاك البحرية واسألوا أعداد الموظفين الفائضة واسألوا الدين العام واسألوا كل مواطن له معاملة مع هذه الدولة كيف يتم التعامل باستلشاء مع حقوق الناس ومبدأ المحاسبة.

هي ثورة من على من طالما سيتظاهر الحكام مع الناس ضد الحكم ويتنصل الجميع من المسؤولية ويتسابق الجميع على الوعود ويهدد الجميع بالفوضى؟

هي ثورة من على من طالما سيرمى فاسدون في السجون من قبل فاسدين آخرين شاركوهم في الفساد عينه؟!

هي ثورة من على من طالما نَفَس الحكام أطول من نَفَس المحكومين؟!

هي ثورة من على من طالما الصراع هو على السلطة وليس على الخدمة؟!

هي ثورة من على من وأركان السلطة يحتكرون العنف المعنوي والعنف الإداري والعنف الجسدي وصولا الى عنف من يمثلون من جهات إقليمية او دولية؟.

هي ثورة من على من والطرقات تقفل بالقطارات المشتعلة والمحال التجارية ستدفع ثمن حطام يفوق الحطام الاقتصادي؟.

هي ثورة من على من؟

أهي ثورة جيل جديد من الشباب، عاطل عن العمل او مغترب، ضد جيل من الحكام، شجعين وطائفيين، الاول وطني وعفوي والثاني مرتبط دوليا وإقليميًا ومخضرم؟

أهي ثورة واتساب وستهمد بإلغاء الضريبة التي اشعلتها، أم ثورة شعب استفاق فقرر ان يستشار في جميع الخيارات التي حددها له الدستور وهي خير الأدوات لمحاسبة كل مسؤول؟

هي ثورة من على من؟ ثورة تمهد لديكتاتورية ام ثورة تعزز الديموقراطية!

أقل من ٧٢ ساعة تفصلنا عن ذلك وساعات الشعوب بسنين! أما المطلوب فيجب ان يبقى واحدا، تحديد المسؤوليات استقالات ومداورة سلمية للسلطة. ما عدا ذلك فحتى لو فشلت هذه الثورة سيسقط البلد في سيناريو فينزوالي لن ينجو منه أحد! انزلوا الى الشارع ليرتفع لبنان.

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard