ليكتب التاريخ ولتشهد الأرض وناسها... فشلٌ بشريّ وتدخلٌ إلهيّ

17 تشرين الأول 2019 | 16:29

المصدر: "النهار"

ليكتب التاريخ - #لبنان_لن_يحترق - نضال مجدلاني

ليكتب التاريخ أنه لولا التدخل الإلهي لكانت التهمت النيران البلد بأسره، من دون أي مبالغة.

ليشهد التاريخ على مأساة أرض وشعب طالته أكثر من مئة وأربعين حريقاً بين نهار وليلة، من شماله امتداداً إلى متنه وشوفه، وصولاً إلى جنوبه، ونحن بحالة شلل من كثرة الفشل.

ليفضح التاريخ إهمال كبارنا وجهل صغارنا منذ أيام استقلالنا وحتى أيامنا هذه.

بكيت بكاء مرّاً  ولم أقدر أن أبقى بعيدة؛ ماتت الدنيا وما فيها داخلي، ولم يبقَ منها غير هذه المصائب التي تحرقنا في كل ميل وصوب.


مع كل هايكنغ وكل مشوار تضيع مني الكلمات في وصف الجمال الفائق الذي أغرق فيه وأشعر به وأعيشه لأنقل لحظاته لكم علّها تنقلكم بدورها إلى ذلك الشعور وتلك المنطقة وهذا الفرح والفخر لما رزقنا به الله عز وجل وما اؤتمنا عليه لنقله من جيل لجيل. فطبيعتنا هي بصمتنا، هي إرثنا، هي نحن، ومن دونها لا وجود لنا ولا للبناننا.

ومن هذا المنطلق وبعد مصابنا العميق منذ بدء الاسبوع، لا يسعني إلا أن أسأل: ماذا فعلتم للحفاظ عليها، وأي تدابير احتياطية اتخذتم وأنتم الذين نبّهتم من الحرائق، ودعيتم إلى تنظيف الأحراج، وعملتم جهداً للتشجير. أنتم الذين كنتم قادرين على صيانة طائرات موجودة وشراء غيرها وعقد اتفاقيات استغاثة مع البلدان المجاورة، وتوظيف حراس أحراش وغابات كأقل تدبير احترازي من أول موسم الصيف الذي بدأت قبله الحرائق لألف سبب.

في الوقت الذي احترقت فيه الغابات وتهجرت الأهالي، ماذا فعلتم وأين كنتم؟ ألم تشعروا بوجع الأشجار المنازعة والحيوانات المحترقة والمهجرة؟ وقبلها، هل شعرتم بهلع الأهالي ومصائبهم؟ أصُمَّت آذانكم عن نداء الأرض وغضب الطبيعة؟

كيف يُعقل في بلد معرّض للحرائق مثل بلدنا ألا يكون له خطة استباقية لهكذا مصائب، ولماذا على هذا الشعب أن يهبّ ليحمي أرضه وبيته وحده، في الكثير من المناطق وكأنه يتيم مُيتّم؟

لماذا حارب الدفاع المدني وفوج الإطفاء والجيش والبلديات وكل الجهات المعنية حيثما وجدوا باللحم الحي والطرق البدائية؟ وكيف يصل هؤلاء إلى عمق الوديان المحترقة؟ لماذا نتوسل الطائرات والمساعدات؟  وأين ما تبقّى من كرامتنا؟

لماذا هذا الظلم وهذا الإهمال والتعسف بنا وبأرضنا؟

لماذا وألف لماذا؟

لا تجفّ الدموع ولا تجفّ الأسئلة في بالي وبال كل مواطن. نسأل ولا نعرف من نسأل، ونسمع أجوبة من هنا وهناك وكأنها ليست بكلام ولغة نفهمها، إذ إنها لم تغير شيئاً يوماً، ويبقى الوضع سائر بنا من سيّئ إلى أسوأ، وعلى جميع الأصعدة.


لم أقدر أن أكون معكم في أول يوم، وفُجعت في اليوم الثاني لما رأيته، وعبّرت عبر مواقعي بكلمة تدعي للصلاة للبنان أسوة بالآخرين عبر المشاركة (repost) بمقطع فيديو وكلمة مقتبسة من مقالي عن الشوف شاركت به صديقة لبنانية في الكويت على صفحتها وهنا الرابط.

كما شاركت به على موقعي على الفايسبوك وكانت المفاجأة العظمى! فقد هبّ من صفحتي المتواضعة إلى ما يتعدى الألف مشاركة والـ  200,000 reach ولكن الأهم هو الصلوات التي انهالت لخلاص بلدنا، إن كان من اللبنانيين أو غيرهم في أوستراليا وكندا والبرازيل والولايات المتحدة والعالم العربي وغيرها، بما يقارب الـ 700 تعليق على مواقعي فقط، ولا ننسى مواقع البلد كافة وطلاب المدارس ودور العبادة، ومن المؤكد أن كل واحد من المتابعين نشر طلب الصلاة بمجتمعه لتوسع الرقعة. كما شاركتني متابعة في الغربة بطلبها الصلاة من جماعة مؤلفة من 45,000 شخص وبإحياء عادات قديمة لطلب المطر. وجميعنا كنا شاهدين على زرقة السماء والأمل المفقود لأي قطرة مطر، وبطلب عجيبة إلهية للإنقاذ.

كانت الأرض تصلي معنا ولنا، وكان الله خير متفقد لعباده، فتلبدت السماء من حيث لا ندري وأمطرت بقوة مع قدوم الليل لتقتل كل شرارة نار على أرضنا كافة، ومن ثم ترجع إلى زرقتها في الصباح التالي. فليشهد التاريخ! 

فليشهد أن أرضنا أرض قداسة، وأن رب السموات لا يتخلى عنها أبداً، ولن يقوى عليها الشرّ ولن يغلبها، ونحن شعبه وما علينا إلا أن نتضرع ونطلب منه فيستجيب، وأن نتوحد جميعاً تحت رايتنا لنحافظ على بلدنا النادر الجمال والفائق الغنى. وقد التقطت عدستي هذا التشخيص بالنار الذي استعملته كغلاف للمقال، الثلاثاء في الشوف، ومن دون أي تعديل بها، أترك لكم تفسيرها.



بالعودة إلى نهار الثلثاء، فقد بدأت من غابة مزرعة يشوع ومنها إلى الشوف إذ إنها كانت المناطق الأقرب إليّ.




وصلت النيران فجراً إلى منازل مزرعة يشوع والقرنة الحمرا وهددت زكريت حتى كسروان، وانحسرت، ولكن عادت وامتدت وبقي الأهالي وفوج الاطفاء والدفاع المدني والجيش على أهبة كاملة،  واستطاعت الطوافات السيطرة على حريق الليل مع هدوء الرياح قبل الظهر. وكنت قد نقلت الأحداث مباشرة على حسابي الانستغرام بالدموع لهول ما رأيت وبدأت "أنقل لكم اليوم التشوّه، أنقل لكم جهلنا..."

لماذا جهلنا؟

لأننا شعب غير مستحق! لأننا نقطف ما زرعت أيدينا أو بالأحرى ما نثرت أيدينا!

دَعوت للكزدرة في أرضنا وعملت لتشجيع السياحة الداخلية بنشر مقالات عن مشاويري لدعم مناطقنا القروية، وبمجهود شخصي لأني أؤمن بالمبادرات الشخصية لإنهاض وطن، ولكن ماذا تفعل الأكثرية؟

في أي نقطة في الطبيعة يصلها الإنسان بسهولة تصلها نفاياتكم الخاصة ومن دون أي وخز ضمير بأنها ستكون وقوداً لأي تغير مناخي يضرب البلد ليولعها ويولع منطقة بأسرها.

صرختُ عبر هذا الموقع وموقعي الخاص وعمّمت فكرة #مش_كل_ما_كزدرنا_وسّخنا_ورانا كما صرخ قبلي ومعي الكثير وعملوا على الأرض للتوعية وكأن الأكثرية صمٌّ بكمٌ، وكأنهم فاقدون الإدراك.

ترفع الجمعيات أصواتها وتسنّ الدولة قوانين لمنع الصيد وقطع الأشجار، ويعمل الجميع على التوعية بكل الوسائل، كما أني نشرت مقالاً عن الغزال والصيد للتوعية مع بداية الموسم (اضغط هنا) وما زال الجهلة من شعبنا يتباهى بصيده للطيور المهاجرة وغيرها، ويقطع أشجار أرز ولزاب معمرة منذ مئات السنين، كما شهدت في مشواتي الأخيرة ومنها في عكار والضنية.

من جهل شعبنا إلى إهمال مسؤولينا، أين لبناننا وسط كل هذا، وأي ثمن يدفع، وهو البلد الذي طمعت به الحضارات كافة على مدى العصور، وما زالت تطمع به الدول الأخرى؟! هو جنة الجنائن وأرضه قدس الأقداس، ونحن ناسها وشرّها، ندنسها ونساهم في زوالها. نبني سدوداً على حساب محيطات حيوية ونظم أيكولوجية، وما زلنا نتخبط في مشكلة النفايات والمقالع والكسارات والاعتداءات على كل المستويات وليس من أمل قريب في حلول جذرية! 





يا لوجعي لما شهدت في المشرف، الدامور، الشوف، ولِما وصلني من عكار وزغرتا وغزير وعجلتون والنبطية وغيرها. الألم حادّ ولن ينطفئ مع الايام، فما خسرناه من أشجار لا يعوض بمئات السنين، وما خسره الأهالي من روح ورزق لا يُسامح عليه. وهنا الحرائق الهائلة التي انتشرت في كل زاوية من هذا الجبل الغني بثروته الطبيعية، وكنت قد بقيت حتى ساعة متأخرة وناشدت عبر مواقعي التدخل السريع. ويمكنكم الرجوع إلى بعض الستوريز هنا.

أين نذهب من هنا؟ إلى تدابير تبقى حبراً على ورق منذ عشرات السنين؟ إلى جماعات تشجير تدّعي التشجير ومن بعدها تهمل وتتناسى الاهتمام بأطفال الأشجار لتيبس وتموت؟ أين نذهب من هنا وأطراف وهمية تستغل الوضع وتطالب بتمويل من أهالينا في الخارج والداخل وتدعو لتمويل تشجير المناطق المنكوبة وكلنا على يقين أنها لا تشجَّر حالياً؟

الفساد يأكل الأخضر واليابس وكأنها شريعة الغاب، ونحن الغرقى وسط مصائب الليرة والخبز والوقود في هذا الأسبوع بالذات وآخرها تطبيق ضرائب على القيمة المضافة الآن، وسط هول المصائب التي تضربنا.

أشير إلى أنّ خبير الطقس في صفحة Weather Of Lebanon السيد جو القارح كان قد نبّه من وقوع الحرائق نهار الاحد إذ إنّ عوامل الطقس التي سيطرت على مناخنا حينها من حرارة مرتفعة ورياح صحراوية جافة وسريعة كما جفاف الأرض وعشبها وأغصانها في آخر أيام الصيف جعلتها وقوداً وكبريتاً لاندلاع الحرائق وانتشارها بكثرة.

ولكن يبقى السؤال الاهم، هل حقاً جميعها حرائق طبيعية؟ وأليس منها المفتعل؟ ولماذا؟


ومرة أخرى لا ننتظر جواباً، وأدعو الجميع الى حماية شوارعهم ومناطقهم وأحراجهم من مفاجآت الحرائق أسوة بالكثيرين إذ إننا في زمن المبادرات الفردية، وأشيد بأخوتنا في الجيش والدفاع المدني وفوج الإطفاء وكل من ساهم في المساعدة، ولهم جزيل الاحترام، وأتمنى أن تنظر الدولة بمطالبهم لأنهم جديرون بها كل الجدارة.

على أمل أن يكون لقاؤنا المقبل مكللاً بفرح الأرض التي تعود لتنهض بالرغم من كل شيء وبفخر الانتماء والبقاء غصباً عن كل شيء.

ليكتب التاريخ أننا باقون، بالرغم من كل شيء باقون.


 يمكنكم متابعة مقالاتي وجولاتي على

 travellinglebanon.blog  

Instagram @ nidal.majdalani

Facebook @ Travelling Lebanon @ Nidal Majdalani

 Twitter @ Nidal Majdalani

المطران عوده: عندما تنعدم الثقة بين الشعب والسلطة التغيير واجب

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard