صرخة العرب وهمسهم في مالمو!

10 تشرين الأول 2019 | 13:20

المصدر: "النهار"

مهرجان مالمو التاسع.

في مطلع شهر تشرين الأول من كلّ عام، اعتادت مالمو الأسوجية أن تشهد حضوراً عربياً. سينمائيون، نقّاد، منتجون وعاملون في مجال فنّ الصورة باتوا يتوجهون إلى المدينة التي تعيش ٥ أيام على إيقاع السينما.

يستمر هذا منذ تسع دورات. ما أسّسه المخرج الفلسطيني محمد قبلاوي، تجاوز في السنوات الأخيرة مرحلة المغامرة، بعدما نال الرضا والدعم من سلطات المدينة التي خاطبته بلغة الشكر في ليل الافتتاح، على لسان عمدة المدينة الجديدة كارينا نيلسون التي تم انتخابها حديثاً، وهي أول سيدة تشغل هذا المنصب في مالمو.

الحضور في أحد العروض.

مهرجان مالمو ليس تظاهرة سينمائية ضخمة تُنفق عليها الملايين. كلّ شيء هنا مشغول بعناية. لا بذخ ولا تبذير. حفنة من الأفلام والضيوف وعروض في صالتين تكفي لبلوغ الهدف. قد تضيع في شارع من شوارع المدينة الواسعة، من دون ان يستطيع مواطن من أهل المدينة مساعدتك في إيجاد الطريق إلى المجمّع السينمائي الذي يحتضن الحدث. فلهذه الدرجة، لا يفرض المهرجان نفسه على المدينة وفضائها العام. كلّ شيء يجري بطبيعية وهدوء وبلا افتعال. استطاع المهرجان صنع حميمية، يصعب إيجادها في المهرجانات الكبيرة. وعلى الرغم من ان تسع دورات ليست بالقليلة، فهو لا يزال في طور التأسيس. انها ليست سوى البداية، والطريق طويل.

بسبب طبيعة المدينة القائمة على التنوعين العرقي والثقافي، والجاليات العربية المختلفة المقيمة فيها، تسمع اللغة العربية بلهجاتها اللبنانية والسورية والعراقية في كلّ بقعة منها. هذا يجعل مالمو أحد أفضل الأماكن لتنظيم مهرجان يُعنى بالفيلم العربي، وهو اليوم أكبر تظاهرة مهداة إلى هذا الفيلم خارج المنطقة العربية. أبناء الهجرة من دول البؤس إلى أنظمة الرفاهية، عصب حقيقي في المدينة الكئيبة حيث الشمس تطل بخجل. ولكن، عندما يحين موعد الحضور إلى السينما لمشاهدة الأفلام، تسقط الحواجز الثقافية بين الجميع، والكلّ يصبح سواسية.

ليال عربية في مالمو.

الدورة التاسعة (٤ - ٨ الجاري) التي انتهت للتوّ كانت افتُتحت بـ"في عينيا" للتونسي نجيب بلقاضي (عن رجل يهتم بابنه المصاب بالتوحد) واختُتمت بالفيلم المصري "يوم وليلة" لأيمن مكرم الذي لم تكن الآراء فيه إيجابية. بين اللحظتين، تسنى لرواد المهرجان متابعة ثمانية أفلام معروضة في اطار مسابقة الأعمال الروائية الطويلة، والعدد نفسه من الأعمال الوثائقية. المهرجان لا يملك رفاهية استقطاب العروض الدولية والعالمية والأوروبية الأولى. غالب الظن انه لا يهمّه هذا الشأن، فالسينما في هذا الجزء من العالم (الدول الاسكندينافية) ليست مادة للمنافسة وجذب الانظار. هي وسيط ذو هدف تربوي وثقافي وترفيهي، أو أيضاً تعبير عن الذات ووسيلة للتعرف على الآخر. لهذا، يتنقّل المهرجان أيضاً في مناطق أخرى، منها هلسينغبورغ، وثمّة عروض جرت في كوبنهاغن، ويدعم كذلك مالياً مشاريع سينمائية عدة لمخرجين في مقتبل تجربتهم.

ليلى علوي في مالمو.

الأيام الخمسة في مالمو ما هي سوى مناسبة لالقاء نظرة على السينما العربية والواقع العربي. قد لا تكون صورة المجتمعات العربية التي تعرضها الأفلام كاملة وشاملة، لكنها تأتي بجزء كبير من الواقع التي نعيشه. فمعظم الأفلام المعروضة يطرح اشكاليات ثقافية وسياسية واجتماعية كبرى. مالمو في هذه الأيام الخمسة تصبح فسحة ثقافية تتيح للعرب الصراخ ولكن أيضاً الهمس. "فتوى" الذي سبق أن نال "التانيت الذهب" في قرطاج وجائزة أفضل فيلم عربي في مهرجان القاهرة (قسم آفاق السينما العربية) مثل صارخ على هذا. يعود المخرج التونسي محمود بن محمود إلى قضية التطرف الديني من خلال قصّة تونسي يُدعى إبرهيم يقيم في فرنسا ويعود إلى بلده بعد أن يصله نعي ابنه الوحيد مروان الذي قُتل على اثر حادث مرور في الطريق الواقعة بين سليمان وقربص. خلال الدفن، يحصل صدام بين عائلة الفقيد وأصدقائه الذين لا يوافقون على حضور الأم جنازة ابنها باعتبار انها سافرة. ما يجعل الأبّ يرغب في مراجعة السبب الذي قيل له بأنه وراء مقتل ابنه، ليكتشف لاحقاً انه كان ينشط في خليّة متشددة وينضوي تحت لواء مجموعة إسلامية. يحاول الأب المفجوع إجراء تحقيق استقصائي لمعرفة الطريق التي سلكها ليصل إلى هذا المحل والتعرف إلى مَن استقطبه. تقع أحداث الفيلم في ٢٠١٣، العام الأكثر دمويةً وعنفاً في تاريخ تونس المعاصر، التي شهدت حينها سلسلة اغتيالات سياسية وخضّات أمنية ومحاولات للتضييق على الحريّات المدنية. من خلال هذا الفيلم، يواصل المخرج توثيق يوميات شعبه، واضعاً الاصبع على التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تلقي بظلالها عليهم. من دون لفّ ودوران أو لجوء إلى إستعارة ومحاكاة، يضع بن محمود ما في جعبته على الطاولة ويمشي.

“فتوى” لمحمود بن محمود.

على خطى مشابهة يمشي المخرج المغربي محسن البصري. فيلمه، "طفح الكيل"، صرخة غضب تأتي من القلب، تنتصر لكلّ أنواع المظالم والتهميشات التي يتعرّض لها الإنسان المغربي. كلّ شيء يبدأ مع الطفل أيوب ذي السنوات الخمس الذي يُنقل إلى المستشفى بعد شعوره بألم شديد في الرأس، وضرورة إخضاعه لعملية جراحية. بعين ذكية وأسلوب هادئ ولغة لمّاحة متفهمة، يرصد البصري الأمراض والمشكلات التي يعاني منها المجتمع المغربي المعاصر، وذلك من خلال تصوير شذرات يومية داخل مستشفى حكومي في الدار البيضاء. رشوة وإهمال وإتجار بالبشر وابتزاز هشاشة الناس، من الظواهر غير النادرة في مؤسسة طبية من المفترض انها مؤتمنة على حياة الناس. الا ان الضمير غائب والأطباء، على الأقل بعضهم، يطعنون في شرف المهنة بلا رحمة.

رياح من القلق والأسى والاستشراق هبّت على مالمو، طوال خمسة أيام، قبل أن تنسحب المدينة تدريجاً إلى شؤونها الخاصة ومشاكلها الداخلية.

ربيع كيروز عشرون عاما من الشغف، وتستمر الحكاية


عشرون عاماً مرّت وكأنها شريط سينمائي بالأبيض والأسود يروي حكاية شغف بالفن، ويترجم عشقاً بالمرأة ويروي حكاية بلد صغير، انتج عملاقاً في مجال الإبداع والخيال الذي لا يعرف حدوداّ. لقد انضم المصمم العالمي ربيع كيروز  رسمياً الى حلقة المبدعين في الهوت كوتير والتي لا تحوي إلا اسماء قليلة من التي تغص وتضجّ بها الساحة المحلية والعالمية وتأخذ حجماً في وسائل الإعلام لدينا  أكثر مما ينبغي. التقينا بالمصمم ربيع كيروز في دارته الجديدة في الجميزة، وللمناسبة قام المصمم المبدع بتغيير اللوغو مركزاً على حرف R اي الراء بالأجنبية ليترجم العودة واستعادة الماضي وأيقوناته بروح متجدّدة فمن ليس له ماضٍ، لا حاضر له!  وفي هذه المناسبة عبر المصمم في حوار خاص أعددناه احتفالاً بمرور عشرين عاماً على الدار في لبنان عن مدى سروره بمسيرته كمصمم انطلق من لبنان الى العالمية، فقال: "منذ عشرين عاماً بدأنا، ومنذ عشر سنوات حقّقنا حلم افتتاح مقرّ لنا في باريس، ;كنّا ثلاثة أشخاص عندما زرنا لأول مرة المقر الذي سنفتتح فيه في باريس، واليوم بتنا ثلاثين شخصاً هناك، واليوم غدا هذا الحلم حقيقة بفضل فريق العمل والصحافيين الذين آمنوا بي، فلهم أقول شكرا".نجدها من مربع ومستطيل، فاللغة باتت عالمية والأشكال الهندسية لطالما الهمت هذا 

يستعيد ربيع كيروز مخزون عشرين عاماً ويقول:" أدين بجمال البدايات الى أول عروس قصدتني، لأنها وثقت في من دون أن ترى تصاميمي وكانت بداية المغامرة... لا زلت أذكر الخوف الذي كان ينتابني عندما أُظهر أول رسم للفستان للعروس، وأول رجفة قلب عندما أعتلي الخشبة...وهو أمر جيد لأن إحساس المرة الأولى الذي يرافقنا يدفعنا الى الأمام، فهذا القلق الدائم هو الحافز للتقدّم...

آخر مجموعة لي أسميتها "الحمد الله" وأنا ممتن لكلّ من عملي معي... لتلك الأيادي الصغيرة التي ترجمت أفكاري وممتن للأربعين فرداً من عائلتي الذين رافقوني في مشواري... وأنا ممتن لرئيسة تحرير فوغ الفرنسية سوزي منكيس لأنها قارنتني بمهندس الديكور، وأنا أعتبر أنّ الفستان هيكل جميل لا يحتاج الى زخرفة... العمل في لبنان مغامرة جميلة فنحن محاطون بأناس طيبين وكان يمكنني البقاء في باريس ولكن ثمة مغناطيساً يشدّني الى لبنان ولا أندم أبداً على البقاء فيه فلبنان بلد يربّي لنا أجنحة ويرفعنا الى العالمية...

في العام 2009 استقبلتني نقابة الأزياء في باريس وبعد عشر سنوات بتّ عضواً دائماً في قريق من المصممين الراقيين المحصورة بٍ 17 مصمماً فقط. مصدر إيحائي من روحي الشرقية ومن شمس بيروت وأنفذ تطريز الخيط في لبنان وكل الطلبات التي تردني من البلدان العربية... لا تتصورون فرحتي بأن عائلة ربيع كيروز باتت تحت سقف واحد وأتأثر عندما تقولون لي بأنني قدوة ومنذ عشر سنوات أسست مع تالا حجار مؤسسة ستارتش لدعم المواهب الجديدة وأطمح الى العمل على تطوير ودعم الحرفيين فنحن لا أتصور نفسي اصمم في ساحة لوحدي، فبرأيي ما في واحد يلعب وحدو بالساحة، بيزهق!".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard