ثورة الطلاق

9 تشرين الأول 2019 | 14:00

المصدر: "النهار

ثورة الطلاق

ليس النظام السوري والمعارضة شاركا فقط في تدمير سوريا والمجتمع السوري،

لم يقتل رصاص النظام والمعارضة الأرواح فحسب،

ولم تهدم صواريخهما المنازل والمدارس والجامعات والمعاهد والمستشفيات،

بل شاركتهما النسوة السوريات في بلدان اللجوء ما بقي سالماً من رصاصاتهما الطائشة والقذائف العشوائية، لكن لماذا؟

أطفال ضاعوا بين سياسات ومناكفات الأم والأب في هذه الدول بعدما نجوا من الموت ومن أسنان أسماك القرش.

لم نعد نسمع فقط بعدد القتلى والجرحى وعدد التفجيرات أو عدد البيوت والمنازل التي هدمت، لم نعد نسمع فقط بعدد الذين تركوا خلفهم أحلامهم وذكرياتهم، بل أصبحنا نسمع بمصطلح جديد أضيف إلى القائمة وهي #الطلاق.

هذه الظاهرة التي انتشرت بكثرة في بلدان اللجوء، حيث في مجتمعاتنا الشرقية المحافظة لم نكن نسمع كلمة الطلاق إلا نادراً، لكن اليوم أصبحنا نسمعها كثيراً لدرجة أننا كدنا نعتاد عليها، أو ربما أن البعض قد اعتاد عليها وأصبحت من روتين حياته.

انتشرت ظاهرة الطلاق مع هجرة السوريين إلى الخارج، هذا بدلاً من لمّ الشمل والتمسك بمن نجا من البحر ومن البراميل وسكاكين المتطرفين.

أصبح حديث مواقع التواصل الإجتماعي والإعلام طلاق السوريات وانتقاد الفايسبوكيين للمرأة بحجة سوء فهمها الحرية الشخصية وطعنها بأخلاقها وو...

الأمر وصل إلى حدّ أن منهن من تعرضن للعنف والقتل، ومنهن من قتلن فعلاً، ولا يزال مسلسل الطلاق مستمراً في بلدان الحريات، وما زلنا نحن منشغلين بإحصائيات عدد المطلقات ومن تفكر بالطلاق، وتأليف الأغاني عنهن. بالمختصر، المطلقة أصبحت مثل العلكة نمضغها على التواصل الاجتماعي وعلى الإعلام، فمثلاً، كلما سمعنا خبراً من هذا القبيل قلنا عن الأمر:

"أي لكن مو هاد الي بدهن ياه؟ مو بدهن حرية؟ هاي هي الحرية!".

هذا بالنسبة للطبقة المتعلمة والمثقفة، أما عن رأي المجتمع بصفة عامة وخصوصاً في أحاديث النساء اللواتي يجتمعن عادة أمام الأبواب أو في مداخل المخابز وسوق الخضار:

"لك دريتي أنو أم عبدو بعد ما وصلت لألمانيا أطلقت! يخرب بيتها ما صرلها شهرين لحتى راحت لهنيك"

وترد الثانية: "لك عم يقولوا أنو جوزها مسكها مع واحد ألماني، قام طلقها"

والثالثة تقول: "ليش ضلت على أم عبدو؟ مو قبلها أم نديم وبنت أبو مروان كمان أطلقوا"

وترد الأخرى: "هاد الي كان ناقصنا، لك أختي الي استحوا ماتوا".

ويستمر الحديث… فنحن لسنا إلا في مجتمع القيل والقال، لأنه حتى في هذا الأمر لم يتهم أحدهم الرجل!

كلهم وضعوا اللوم على المرأة، ولم يتوقف أحد من المنتقدين على أسبابها، أو يكلف نفسه بالتفكير عن السبب، ولم ينتقد أحدهم نفسه أو ينسب السبب إلى نفسه.

فقط، كلٌّ منهم يؤلف رواية على هواه ومزاجه ويذهب بعيداً بخياله.

لو طبّقنا الأنظمة الأوروبية وأفسحنا الحريات لجرى هذا الطلاق في البلاد قبل أن تغادر تخومه، لطلقت الكثيرات قبل أن تنجب طفلها الأول. لكن خوفهن من المجتمع ومن المتاعب التي سوف تعيق حياتهن جعلتهن تكتمن مشاكلهن والاستسلام للزوج، لأنهن لو أقدمن على ذلك فأول المعارضين سيكون إخوتهن ووالداهن، ولن يسلمن من لسان المجتمع. لذلك عند وصولهن لهذه الدول التي تمنح المرأة كامل حريتها، يطلبن الطلاق بعد ما أكتشفن طعم الحياة وما هي حقوقهن كإنسانة. لا نقصد بطعم الحياة أن تذهب لممارسة الجنس أو ما شابه، الحياة لها طعم آخر عندما تكون حراً وعندما يحترمك من يقابلك.

ففي بلدها وفي بعض مجتمعات بلدها كان يُحرم عليها رأيها في اختيار زوجها، حتى في بعض المجتمعات المتدينة كانت ممنوعة من أن ترى من سيكون زوجها إلا في ليلة العرس، وهناك من تمّ تزويجهن دون أن تعلم إلا في اللحظة الأخيرة. هناك من كانت ضحية ابن عمها أو أحد أقرباء العائلة مرة أخرى حسب العادات والتقاليد.

كل هذه الأمور دفعت بالمرأة اللاجئة إلى طلب الطلاق.

لكن هذا الطلاق لم يأتِ من فراغ بالرغم من كل ما ذكرناه، فمثلما تتدخل في سوريا دول أجنبية، تدخلت في هذه القضية أيضاً بعض المنظمات المعنية بحقوق المرأة، وكان لها دور في تشتيت هذه العوائل وجعل أطفالها مشردين مرة أخرى، تدخلت على سبيل توعية المرأة وفهمها ما لها وما عليها، وهذا ما جعل الكثير من النسوة يتمرّدن على أزواجهن، لأننا جعلنا من المرأة كتلة من الجهل. فعلت هؤلاء النسوة ما طلبت منهن هذه المنظمات دون إيجاد حلول منصفة ترضيها وترضي زوجها. ومنهن من قلدن بعضهن، ومنهن من انفصلن بإرادتهن لعدم التفاهم، ومنهن من تعرضن للخيانات الزوجية بغض النظر عن الطرف المقدم على الخيانة. كذلك، إن العيش في هذا المجتمع الجديد كان له دور أيضاً بغض النظر عن سلبيته أو إيجابيته، فمثلاً البيئة الشاميّة كانت تمنع المرأة من أن تخرج مكشوفة من المنزل دون النقاب، ويجب أن تكون مع أحد محارمها، هذا ما لا يوجد في أوروبا، هنا يجب عليها أن تذهب للطبيب بمفردها، وإلى المدرسة بمفردها، وجلب أطفالها من المدرسة أو الروضة بمفردها، والعمل بمفردها... حياة مختلفة كلياً، هذه العوامل دفعت بالرجل المتدين إلى عدم تحمل هذه القوانين وهذا المجتمع والنفور منها أو إلى التهجم على زوجته، وبالتالي خلق الخلافات الزوجية، ما دفع بالأخرى إلى عدم السكوت والشكوى على زوجها بعدما أصبحت على دراية بقوانين المجتمع الجديد من خلال الاختلاط والاندماج، لكن

يمكننا تقسيم المطلقين أو المطلقات هنا في أوروبا إلى ثلاث أو أربع فئات:

أولاً: الفئة الشابة وهي التي فهمت الحرية الشخصية بالشكل الخاطئ، بالإضافة إلى عوامل المجتمع المتاحة هنا والتي لم تكن موجودة في مجتمعنا من جهة، وكانت ممنوعة ومحظورة من جهة أخرى، كذلك أن هذا الجيل مختلف عن الأجيال السابقة بكثير، ولم يعد يهتم بالعادات والتقاليد سوى قلة نادرة .

هنا كل شيء متاح من عوامل الحياة، من سكن ومال وعمل، والعلاقات الجنسية الخارجة عن الأطر الزوجية، والقانون الذي يصون المرأة ويعطيها المجال أمام رغباتها دون رقيب، هذا ما يجعلها تتمرد في عائلتها سواء مع أبويها أو زوجها،

وتدفع بها إلى العيش كما تهوى وترغب، فهي لا تبالي لا بالمجتمع ولا بعادات وتقاليد المجتمع، هذه الفئة منخدعة بملذات المراهقة وعدم نضوج العقل والانحلال والغرق في المجتمع الجديد.

الفئة الثانية، هي من الرجال الذين يصاحبون الفتيات الألمانيات أو من جنسيات أخرى تعرفوا إليهن من خلال العمل، كورسات اللغة والديسكو والملاهي الليلة، وأهمالهم لزوجاتهم وأطفالهم، ما يدفع المرأة بطلب الحصول على الطلاق، فيكون للرجل دور في خلق عوامل تعود إليه سلباً.

وهناك فئة أصبحت تقلد المجتمع الأوروبي وتريد العيش على طريقته، منهم من يصاحب أو يساكن (أي العيش مع صاحبه/ا) دون عقد زواج رسمي.

أما الفئة الأهم من هذه الفئات، هي من لديها عدة أطفال وهن متزوجات منذ عقد أو عقدين أو أكثر، هذه الفئة هي التي تصدم الجميع،

هذه الفئة من النساء اللواتي يطلبن الطلاق أو يطلقن أزواجهن بعدما وصلن إلى ألمانيا أو دولة أوروبية أخرى، منهن مَن تزوجن رغماً عن إرادتهن تحت ضغط عائلاتهن، ومنهن من تزوجن وهن صغيرات أو تزوجن أشخاصاً أكبر منهن سناً بكثير، منهن من تزوجن بالمبادلة نتيجة عادات اجتماعية، ومنهن من تزوجن لتُستر في بيت زوجها خوفاً من العار الذي ربما تجلبه لعائلتها مرة أخرى حسب مفهوم المجتمع. منهن من عشن حياتهن الزوجية في خلافات حادة مع أزواجهن أو عائلات أزواجهن... الأمثلة كثيرة لا تعد ولا تحصى.

هذه الفئة جميعهن عشن حياة زوجية صعبة مليئة بالمشاكل والإهانات والضرب المبرح، فكم من امرأة كسرت يدها ورأسها ورسمت على جسدها آثار الأسلاك والعصا والخراطيم والعقال ووووووو... وهي ممنوعة حتى من الصراخ، ولا يمكنها فعل شيء نتيجة عدم وجود أي قانون يحميها ويحمي حقوقها، قوانيننا التي تعطي كل الحق للرجل وتجبرها أحياناً لبيت الطاعة، والدين الذي يحرمها من أطفالها بعد مرحلة الحضانة، والمجتمع الذي ينهش عرضها وكرامتها بأحاديثهم.

المطلقة في مجتمعنا تصبح منبوذة وينظر إليها الجميع نظرة دونية وعديمة الأخلاق، هذه الأمور جعلت من مطلقات أوروبا العيش مع أزواجهن في بلدهن بابتسامة مزيفة، تخفي وراءها الكثير من الهموم والآلام، خوفاً من اللسان الذي كان كالسيف على رقبتها وخوفاً من أن تخسر أطفالها، أو خوفاً من عدم استطاعتها العيش باستقلالية بعد الطلاق؛ نتيجة لتراكمات هذه المشاكل في بيت زوجها طلبت تلك النسوة الطلاق بعد أول فرصة سنحت لهن، حيث هنا القانون معها ويحمي حقوقها،

ولا يمكن لزوجها حرمانها من أطفالها. إن تطلقت تبقى مع أطفالها ولها راتبها تعيش به، سواء كان هذا الراتب من المؤسسة الإجتماعية أو من جهدها، لها بيتها الخاص ولن تحتاج لا لزوجها ولا لأخوتها، لن يقول عنها أي أحد إنها مطلقة ولماذا هي مطلقة، باستثناء مجتمعها الذي دفعها إلى أخذ هذا القرار.

لم تكن أوروبا السبب الرئيسي في ما نحن فيه اليوم، إنما نحن من أوصلنا أنفسنا إلى ما نحن إليه، قوانيننا المبنية على الجهل، حرماننا المرأة من الحياة بكل ما في للكلمة من معنى، الدين الذي دفن المرأة بعد أن كبّرها بدلاً من دفنها حية وهي رضيعة، والمجتمع الذكوري البحت الذي لا يزال يعيش في العصر الجاهلي.

المرأة بعد هجرتها كسرت حاجز الخوف والصمت، بدأت بثورة على الرجل المتسلط تحت عنوان ثورة الطلاق، لكن هل ستنال ما تريد، وهل هي على الصواب؟

( الأسماء المذكورة في المقال وهمية وليست حقيقية)

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard