لاجئ في وطني

26 أيلول 2019 | 09:58

المصدر: النهار

"إن لم نكن في الأماكن التي نحبها فنحن لاجئون أينما كنا"

"إن لم نكن في الأماكن التي نحبها فنحن لاجئون أينما كنا"

نظراً لما يعيشه وطني وما عاشه من حروب دموية أخذت مني روحي، فالأب روح عندما يروح يتهاوى الجسد. اتخذت أمي قراراً باللجوء إلى وطن آخرَ ربما نعيش بسلام بعيداً من الحروب. ذهبتُ مع أمي وأختي الصغيرة نبيلة، بناءً على طلب أمي، إلا أنني لم أود الذهاب أبداً لأنني على يقينٍ أني لن أشعر بسلام في أي مكان على الارض، لأن الخراب في داخلي أينما رحلت، فالحرب لم تشوّه بلدي الجميل وبيتي الدافئ وحسب، بل أخذت مني حبيبي وسندي أبي. جمعت أمتعتي، ودعت بيتي الذي نشأت فيه، وجدران غرفتي الدافئة، ووسادتي ذات رائحة المِسك، تركت طفولتي، ذكرياتي مع أبي لأحمي جسداً بلا روح. وصلنا المحطة وجلسنا ننتظر وصول القطار. انتظرنا حوالى ثلاث ساعاتٍ تقريباً، وفي كلِّ بضع دقائق أرجو أمي العودة إلى بيتنا، فكيف نحسُّ بالأمان في وطن نحن فيه لاجئون؟! لا يمكنني العيش بحرية إلا في وطني حتى وإن كان مليئاً بغبار الشظايا وضجيج القذائف والصواريخ، هناك ترعرعت، هناك ماضٍ لا يمكنني تخطيه، لا يمكنني ترك مدرستي، أصدقائي، وطفولتي.

لم أستطع منع أمي من الرحيل، صعدت القطار لأول مرة، قالت لي إمي: "تنحّي نحو النافذة وشاهدي، سنمرّ الآن في مناطق لم يسبق أن سمعتِ بها". جلستُ في رغبةٍ منها لكنّي لم أرَ كل ما مرَّ أمامي، لأن صورة بلدي وبيتي وأبي لم تفارق مخيلتي. حتى وصلنا بعد تسع ساعات على التوالي. نزلنا من القطار، كل شيء مختلف هنا، طرقات المدينة، المباني، حتى البشر هنا مختلفون جداً. ملابسهم باهظة الثمن. ولا أنكر جمالها، لكنهم فارغون في الحقيقة، وجوههم عابسة، مجرّدون من الانسانية، ينظرون إلينا وكأننا سبب تعاسة كلٍّ منهم.

أحسست وكأن الهواء ينقصني. وصلنا بيتنا الجديد، هنا تلفاز كبير يغطّي نصف الحائط. جهاز تدفئة حتى أنك لا تحتاج لسترة في الشتاء، ولا لأكثر من غطاء أثناء النوم، أريكة مريحة يمكنني النوم عليها، غرف واسعة، لا انتظار بعد اليوم على باب الحمام، يوجد ثلاثة. لكنّي لم أشعر بالراحة أبداً، لم تمحُ أريكة الريش الذهبي هذه لذة الجلوس على أريكة الصوف الحديدية في بيتي المتواضع، ولم ينسني الحمام الدافئ هنا لذة الاستحمام على صوت البابورِ، لم يقم جهاز التدفئة هنا بتدفئتي، ما زلتُ أشعر بالبرد في داخلي.

أمي أرجوكِ دعينا نعود، بقيتُ على هذا النحو ستة أشهر، ولم استطع الاعتياد أبداً، عكس أختي التي أحبّت هنا بشكلٍ رهيب.

أثناء عملي كنادلة في مطعمٍ كبير -في ضواحي المدينة - لا يزوره إلا أبناء الطبقة المخملية. حين كنت آخد طلبيّة شابٍ وسيم وأنيق جداً، أربكتني نظراته، فلم أستطع ان أشرح لهُ عما تحتوي قائمة الطعام. فقال: أنتِ من المدينة؟

أجبته بسرعة وبنبرة حادة: طبعاً لا.

قال متفاجئاً: طبعاً؟!!

قلت: هل يبدو لك أني بلا رحمة؟ بلا إنسانية؟

قال: لا، لِمَ هذا الكلام؟

قلت: كيف يمكنني مساعدتك؟

فنظر في عيني نظرات متواصلة دون أن ترف جفونه حتّى، ثم قال: أنا عثمان. وأنتِ؟

أجبته: أنا جمانة.

ومن ثم ناديت زميلي في العمل ليساعده وانسحبت إلى طاولة أخرى، لكنّ عينيه لم تفارق خطواتي. طريقة نظراته لامست قلبي، فبقيت عيني عليه.

حان وقت ذهابي، لكني لم أرد الذهاب. دخلت لأبدل ملابسي، وعندما خرجت لم أره في مكانه!

تابعت سيري، وبعد نصف الطريق كدت أصل البيت، أحسست بخطوات تتبعني، نظرت خلفي... إنه هنا!

انت! ما تفعل هنا؟

أجابني: إني ألحق بكِ.

لِمَ تلحق بي؟ ماذا تريد مني؟

أجاب: لا أعرف، إني حقاً لا أريد شيئاً. قلبي أراد هذا.

وهل لديك قلب ؟! لا أحد في هذه المدينة يملك قلباً. ابتعد عن طريقي وإياك أن تتبعني مرة أخرى.

لم يتفوّه بكلمة.

أكملت سيري واستمريت بالنظر خلفي في كل وهلة وأخرى، لكنه لم يتبعني. تضايقت كثيراً ولم يفرحني الأمر أنه فعل ما طلبته، تمنيت لو أنه ما زال يلحق بي. دخلت البيت وكأن شيئاً ينقصني. أتفقد النافذة بين حين وحين... ليس هنا!

لم استطع النوم. أردت حلول الصباح كثيراً. أردت ذهابي للعمل للمرة الأولى، أحببت عملي، أحببت هذه المدينة، لا أريد الذهاب من هنا.

حلَّ الصباح، ذهبت إلى العمل. لم أتناول فطوري حتى.

وصلت إلى المطعم حيثُ أعمل، أتفقد كل زواية لعله ينتظرني هنا.

لكني لم أجده. انتظرت اليوم كله بفارغ الصبر. لم أرَ له أثراً.

بقيت على هذا الحال حوالى سنة تقريباً. لم أتأثر برجل سواه، عيناه كانت صادقة، لا يمكن أن تكون نظراته لعبة شاب قذر. إلى أن شاء القدر أن يجمعني صدفة بأخته التي كانت تضع صورة له على خلفية هاتفها، حين كنت آخذ طلبيتها.

فقلت: عثمان!!!

أين هو؟ كيف حاله؟ لم أره منذ فترة.

قالت: من أين تعرفينه؟

أخبرتها كل شيء، أخبرتها أني أنتظره منذ سنة.

فكان جوابها جواباً كسرني، قتلني، خذلني بعدما أحببت الحياة. عثمان مات.

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard