هل ساعد الروس إيران بدون قصد على ضرب أرامكو؟

22 أيلول 2019 | 17:18

المصدر: "النهار"

الرئيسان الإيراني حسن روحاني والروسي فلاديمير بوتين - "أ ب"

يرى بعض المراقبين أنّ الاعتداء على "أرامكو" يمنح روسيا فرص تعزيز حضورها على المسرح الإقليميّ الشرق أوسطيّ. حضورٌ ستظهر تجلّياته على مستويين بالحدّ الأدنى. لعلّ روسيا هي المستفيد الأوّل من قلق الأسواق إزاء الهجوم على أرامكو أو بشكل عام إزاء التوتّر في الخليج الذي يبقي أسعار النفط معرّضة للارتفاع. لكنّ سياسة موسكو النفطيّة لم تكن لتنتظر حدثاً كالهجوم على آرامكو كي تتبلور. فشراكتها مع منظّمة الدول المصدّرة للنفط "أوبك" والتي باتت تُعرف ب "أوبك بْلاس" تركت بصمة إيجابيّة على الاقتصاد الروسيّ خلال الأشهر الماضية، وفقاً لما لفت إليه الكاتب جيوفري سميث في مجلّة "فورتشن" الأميركيّة.

بين الرياض وطهران.. من ستختار؟

غياب استقرار الإنتاج النفطيّ في دول كثيرة حول العالم مثل ليبيا وفنزويلا ونيجيريا يعدّ مكسباً إضافيّاً لروسيا. لكنّ التعاون المشترك بين موسكو والرياض يحظى بأهمّيّة خاصّة. وهذا ما يظهره تقرير سميث عبر الإشارة إلى أنّ التنسيق بين الدولتين سحب أكثر من مليون برميل من الأسواق كما انعكس في مجالات سياسيّة كتليين الخلاف حول سوريا وتحوّل الرياض إلى مصدر للاستثمار الخارجيّ الجوهريّ في روسيا. وبذلك ملأت الفراغ الذي تركته الشركات الأوروبية والأميركيّة بعد التوتّر الغربيّ-الروسيّ منذ سنة 2014.

الأهمّ من كل ذلك هو ما قاله للمجلّة مدير الاستشارات في شركة "ماكرو أدفايزوري" ومقرّها موسكو كريس ويفر. يعتقد الأخير أنّ العلاقات الاقتصاديّة بين الدولتين متطوّرة لدرجة أنّ روسيا، لو اضطرت إلى ذلك، ستختار الرياض عوضاً عن طهران كحليف لها.


خلافات لم تعد خافية

ثمّة مؤشّرات إلى أنّ روسيا تنظر إلى إيران كشريك تكتيّ أكثر منها كحليف استراتيجيّ. في سوريا، وعلى الرغم من الحفاظ على إطار أستانا، وتحقيق هدفهما بإبقاء نظام الرئيس السوريّ بشّار الأسد، تحوم خلافات حول الحلّ السياسيّ وتوزيع مناطق النفوذ والاستثمار إضافة إلى الضوء الأخضر الروسيّ الضمنيّ لتل أبيب كي تضرب مقاتلي إيران. وفي ما يخصّ الاتّفاق النوويّ، وعلى الرغم من أنّ الإيرانيّين بدأوا يخفّفون التزاماتهم به، أعلن الرئيس الروسيّ أنّ بلاده "ليست فريق إطفائيّين" كتلميح إلى أنّه قد لا يمارس ضغوطاً للإبقاء على ذلك الاتّفاق، في حال استمرّ الأميركيّون، لكن أيضاً الإيرانيّون، بتعزيز مخاطر التوتّر بشأنه. على الضفّة الأخرى، لا يمكن التغاضي عن واقع التنافس بين طهران وموسكو لتصدير النفط إلى أوروبا، وهو يصبّ حاليّاً لصالح الروس مع استمرار العقوبات على الإيرانيّين.


ماذا عن الهدف المشترك؟

في مقابل نقاط الاختلاف هذه، ثمّة من يركّز على قاسم مشترك قد يكون أساسيّاً لكلا الطرفين وهو مواجهة "الهيمنة" الأميركيّة في العالم وفقاً لتعبير الطرفين. لكن بإمكان هذه المواجهة أن تتّخذ أشكالاً مختلفة. يقوم الشكل التقليديّ على دعم موسكو للدول العدوّة للولايات المتّحدة وفي مقدّمتها إيران إلى جانب الصين وفنزويلا وغيرهما. غير أنّ هذا الشكل غير كاف لتحقيق معظم الأهداف.

يبدو أنّ روسيا تعتمد تكتيكاً جديداً نسبيّاً يقضي بإبعاد حلفاء واشنطن التاريخيّين عنها. أبرز مثل على ذلك، تركيا. لكنّها ليست المثل الوحيد. فحتى الخلاف الأميركيّ-الأوروبّيّ حول الملفّ النوويّ يجسّد فرصة لموسكو كي تتقرّب أكثر من بروكسل. ويحفزّها أكثر غياب الاستقرار بين الحليفين الأطلسيّين في عهد الرئيس الأميركيّ الحاليّ. وليس التقارب الفرنسيّ-الروسيّ في هذا الإطار إلّا أحد تجلّيّات ذلك.

اللعب على وتر خلق شرخ أو تباعد بين الحلفاء الأطلسيّين يبدو أهمّ الأسلحة الروسيّة حاليّاً. عرض منظومة "أس-400" على السعوديّة يصبّ بشكل ما في هذا الإطار. هنالك فكرة مهمّة نقلها سميث عن مدير برنامج كارنيغي للسلام في موسكو ديمتري ترينين: "دعم أعداء واشنطن فقط لأنّهم يعارضون الهيمنة العالميّة لا يعزّز موقعك".


مراقبة تقنيّة التعرّف إلى الأهداف

وسط كلّ هذه التحوّلات الدوليّة، يقدّم الاعتداء على أرامكو فرصة إضافيّة لروسيا على الصعيد السياسيّ كوسيط لحلّ التوتّر. لكن ما يستحقّ إلقاء الضوء عليه أيضاً في ذلك الهجوم هو الجانب التقنيّ. يظهر تقرير حديث أنّ هذا الجانب قد يكون مرتبطاً بالبعد السياسيّ، ولو بشكل غير مباشر. في "المعهد الأوستراليّ للسياسة الاستراتيجيّة"، كتب المحلل البارز في الإمكانات والاقتصادات الدفاعيّة ماركوس هيليير، ومطوّر برامج المؤسسة نفسها دايفد ميلار، والباحث في المركز الدوليّ للسياسة السيبيرانيّة التابع لمعهد نايثان روزر، عن دقّة الهجوم الذي استهدف السعوديّة.


صورة مصدرها الحكومة الأميركيّة وشركة "ديجيتال غلوب" نشرتها "أ ب". استند الباحثون في "المعهد الأوسترالي للسياسة الاستراتيجية" إلى الدقة والتجانس في إصابة البنية التحتية لمنشأة بقيق التابعة ل "أرامكو". ومن جملة ما لفت انتباههم الدقة العمودية في الإصابات المتكرّرة ضمن المساحة المستهدفة البالغة طولها 200 متر.

يرى الباحثون طريقتين لكسب هذه الدقّة. الأولى عبر الوصول إلى استخبارات جغرافيّة مكانيّة معقّدة في شكل صورة متعامدة orthographic imagery. الثانية عبر صور كهروضوئيّة و/أو صور بالأشعّة ما دون الحمراء عالية الدقّة للسماح بتطابق الصورة مع الأهداف يكون إمّا آليّاً أو باستخدام فرع مهم من علم الذكاء الاصطناعيّ: Human-in-the-loop.

ماذا لو صحّ التكهّن؟

بحسب الباحثين، تتطلّب طريقة الاستهداف الثانية الوصول إلى صور ذات جودة أفضل من صور "غوغل"، مرجّحين احتمال تمكّن المهاجمين من الوصول إلى صور فضاء عالية الدقّة. بالنسبة إليهم، يحتمل أن تكون البيانات قد أمّنتها دولة متطوّرة كروسيا، لاستفادتها من ارتفاع أسعار النفط بسبب الهجوم، أو الصين، لكنّها لا تستفيد من ارتفاع الأسعار. وأضافوا أنّ هنالك إمكانيّة في أنّه بدلاً من أن يكون الأمر جهداً روسيّاً مباشراً لاستهداف السعوديّة، أساء الإيرانيّون استخدام البيانات التي أمّنها الروس لهم خلال تنسيقهم في سوريا. أشار الكتّاب إلى أنّ ما ذكروه "تكهّن" لكنّهم أكّدوا أنّه "كما يمكن الأسلحة أن تنتشر كذلك الأمر بالنسبة إلى البيانات".

تبدو فرضيّة دفع روسيا إيران لشنّ هجوم استراتيجيّ كهذا مستبعدة جدّاً ليس أقلّه بسبب غياب القدرة على معرفة كيفيّة تسلسل الردود على هكذا اعتداء وكيفيّة استجابة أسواق النفط لهذه المخاوف، ونجاح التقارب الروسيّ-السعوديّ مؤخّراً.

وتجد موسكو نفسها أساساً مستفيدة من السياسة الأميركيّة تجاه إيران من دون الحاجة إلى تصعيد إضافيّ. السؤال المحوريّ يبقى في مكان آخر: لو صحّ تكهّن الباحثين الثلاثة بأنّ إيران أساءت استخدام المعلومات الأمنيّة التي أمّنها الروس لها في سوريا، فكيف قد ينعكس ذلك على علاقاتهما الأمنيّة وربّما السياسيّة هناك؟

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard