ما بين الغربة والحنين

7 آب 2019 | 10:53

المصدر: النهار

نظرات تنم عن الترجي والتوسل بعدم الرحيل

نظراتٌ تنم عن الترجّي والتوسّل بعدم الرحيل، يدان مرتجفتان تقبض على أكمام معطف بإحكام، دموع تهطل على خدين كالمطر في ليلة شتاء قارس، إحساس بالخوف يعمّ المكان، وينذر بأنه آخر لقاء، عينان تتفرّس الملامح لتحفرها بالذاكرة، فهي الملاذ الوحيد الذي ستلجأ إليه عندما يقرع الحنين بابها عند منتصف الليل، اشتياق يتعاقد مع وحشة الظلام ليجلب لها الاحتياج الذي يدفعها بضعف واهن لدفن رأسها في وسادتها لتكتم الصراخ، تنهض مجدداً لإجراء مكالمة هاتفية فحواها الاستعطاف بالحضور، فتخيب الظنون بعدما يأتيها كمّ هائل من التعنّت والبرود. تتمتم لنفسها وتقول "جبروت الغربة" كما يجب أن يكون، تلقي بهاتفها جانباً وتضرب قبضتها بالحائط، وقلبها يصعد ويهبط وكأنه يقول "ماذا تنتظرين" من علاقة انحصرت بين موجات صوتية وشبكات إلكترونية،، فهو الآن يرغب في النوم أكثر مما يرغب فيك، يحلم بأن يلقي بجسده على السرير أكثر مما يحلم بلقائك.

أودّ أن أخبرك سيدتي أنني لم أعد أشعر به، فالبعد أصاب عاطفتي بالنضوب، والجفا تخلل أركاني. تكيّفتُ مع الظمأ الذي ضرب بي منذ سنوات مضت، لا أخفي عليك أنني أشتاق للارتواء لعلّ شربة ماء واحدة تدلف بين شقوق أضلعي لرأب صدوع روحي، شربة ماء كفيلة بأن تجعل الحياة تدبّ بداخلي وأزهر من جديد وكأنه ربيع العودة إلى الوطن بعد سنوات عدة من خريف الاغتراب. ذكّريه دائماً أنني الوطن الذي حتماً سيعود إليه، ولكن إذا أتاني في أواخر عمره فليعلم جيداً أن عودته بلا جدوى ولا أمل، لأنه سيندثر بترابي إذ سأكون حينها حطاماً بعدما تشيخ مشاعري وتضعف نبضاتي وينهش الكبر ريعان شبابي، أرجوك سيدتي ذكّريه قبل أن يفوت قطار العمر، فالقطارات دائماً تدرك وجهتها جيداً اتجاه الغربة ولكن لا تلتفت إلى العمر الذي يمرّ كلمح البصر.

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard