الأربعاء - 12 أيار 2021
بيروت 24 °

إعلان

بيروت الحبّ والجنون

المصدر: النهار
مشهد بيروتي ليلي. (تصوير نبيل اسماعيل)
مشهد بيروتي ليلي. (تصوير نبيل اسماعيل)
A+ A-
نبيل إسماعيل
رئيس قسم التصوير في "النهار"

بيروت صباح الخير شو الأخبار.
من دون أدنى شكّ لم تغِب عن بالي لحظةً مدينتي بيروت، وأنا أتجوّل في شوارع إحدى أهمّ المدن العربية، خلال زيارةٍ عائليّة لأسبوعين منذ أيام قليلة. وقد صارحتُها بأنني معجب بها مدينةً حديثةً ومتطوّرة وجميلة.
 
لكن رغم ذلك، مدينتي بيروت امرأة أحبّها كما هي. لا تحتاج إلى مكياج كي أعشقها أكثر، امرأة تعيش الحبّ بالحبّ. امرأة لا يستيقظ الفجر إلّا من كفّيها، والشمس تطلّ من خدّيها كي تُشرق، ومن بين ظلال صخرتها تعبر في رحلة مغيبها. امرأة أهدى بحرُها الأزرق إلى السماء زُرقته، وبياض ثلجها عانق الغيم ولوّنه. امرأة خيرُ يمّها رزقٌ وافرٌ لصيّادي الأرصفة شركاء الانتظار الصامت والمتعب، ونسيم عطر صبحها يُنعش روّاد كورنيشها، وصخور شطآنها نُزُلٌ بغرفٍ واسعة يرتاح في ثناياها موج البحر بعد سفره الطويل. 
 
 كاميرتي وأنا لسنا سوى سمكٍ في مياهكِ يا بيروت. نضيع ونموت خارج كفّيك...
 
شوارع بيروت شوارعي وبحرها بحري، الناس فيها تشبهني. نحن مولودون من طَرحتها وهي مولودةٌ من فرحِنا. بيروت مدينة مصنوعة من تعب الناس وسهر الزمن، من عيون تحلم ومن أيدٍ لا تتعب. مدينة حاكتها أغاني البحّارة وكتبتها روايات الأساطير، ورحّالة السفر الطويل. 
 
منذ عشرات السنين وأنا كلّما غادرت بيروت ضعت وأصبحت غريباً. ولكن هذه المرة، ورغم أنّ العائلة معي، لم أستطع أن أنساكِ وأنا الغريب التائه...  
 
نحن اليوم مقتولون، وتمثّل السلطة فينا نهَمها وجوعها وجشعها. وشعبُنا الضحيّة مسلوب القوى والإرادة، ويئِنُّ من كثرة جراحه. لقد صلبونا ودمّرونا... وما الانفجار الأخير سوى إعلانِ موتِنا وانتهاء مدينتنا ودورنا كبلدٍ فريدٍ ومُتنوّع.
 
تجوّلت بين الأبراج الشاهقة والعمارات الجميلة. مدينةٌ حديثة تُشبه اللؤلؤ، ويصحّ فيها أن تكون مدينة الشرق. رُغم سحرها لم تُنسِني الناس الذين يشبهونني في بيروت. الناس الذين حين يفتحون شبابيكهم تُشرق الشمس، والذين يعشقون كلمة "صباح الخير". هؤلاء الناس لم يأتوا معي إلى هنا، هؤلاء الناس ينتظرونني في بيروت.
 
أسبوعين لم أسمَع زموراً ولم أرَ أحداً خالف إشارة، ولا درّاجة كسَرت على سيارة، ولا شاهدت بوليسَ سيرٍ "يعجق" السير. أسبوعين ما قرأتُ فيهما جريدة ولم أصادف كشكاً لبيع الجرائد. لم أرَ جريدة على طاولة مقهى، ما لمحت في طريقي بائع يانصيب، ولا ماسح أحذية، ولا بائع وردٍ عند تقاطع الإشارات. فتّشت في كل الشوارع والمولات حتى أصادف محتاجاً "حدا عم بيمد إيدو ويقول من مال اللّه". 
 
مدينة "ما فيها خياط، سنكري، سائق، صراف، بياع بوظة بيحكي عربي، ما في حدا عم يسأل أي ساعة انقطعت الكهربا وليش ما إجا بعد الاشتراك" و"أيمتى بيبعتوا المي". 
 
أناسُ مدينتي طيّبون. ناسٌ يمارسون حرّيتهم بِشتم بتأفّف، ويتذمّرون، يهدمون ويبنون، يمشون ويقفون، يضحكون ويبكون. ناسٌ يعرف بعضهم بعضاً ويُمسّي بعضهم على بعض، ويصبّح بعضهم بعضاً، ويسألون دائماً: "شو الأخبار رايحين على الإنهيار لا بكرا بتزبط البلد، مش رح تزبط طبقة فاسدة نهبوا البلد وبعدهم قاعدين". "والشعب ساكت، شو بيقدر يعمل مخدّرينه، بسيطة بكرا بتظبط، يا زلمي صرنا بالهاوية حرامية سرقوا الشعب. بس الناس بالبلد بعدها متمسكة بالأمل رغم الغيم الأسود".
 
بيروت صباح الخير شو الأخبار… وشو في ما في. 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم