الأحد - 16 حزيران 2024

إعلان

الحقيقة رقم 4: سرقوا أحلامنا... إلسا

المصدر: النهار
شربل بكاسيني
شربل بكاسيني
الحقيقة رقم 4: سرقوا أحلامنا... إلسا
الحقيقة رقم 4: سرقوا أحلامنا... إلسا
A+ A-
لم يمُت نسيبٌ من أنسبائها، إلّا أنّ ثمة نُدبة في ذاكرتها يصعب تجاهلها. عامٌ على الحدث- الصدمة، لا تُخفي إلسا فواز (8 سنوات) حزنها والقلق. نغمةٌ شاذّة من أزيزٍ ونشازٍ عبثت بتهويدة طفولتها. تجلس بقرب شقيقها جاد (7 سنوات) وتنحني بين طَرفة وأخرى على كتفه. كلاهما كبر قبل الأوان.
 
بيروت- سليم سلام، 4 آب 2020. منزل متواضع دعائمه الحبّ. كانت إلسا تلعب في غرفتها حين نفث العنبر رقم 12 دخاناً وناراً، وألهب المدينة. هي تلك اللحظة التي تلفظكَ فيها الأرض فتُدرك أنّ السماء تُريد لك البقاء رأفةً بالأحبّة. صدمة، خوف ودمع. قضمة صغيرة من قطعة بطيخ كانت نصيب جاد في حضن والده قبل انهيار العالم. ماذا يحصل؟ لا جواب.
 
"هزّة قوية، غبار أبيض وزجاج يتطاير"، جلّ ما تذكره إلسا بعد عام. لعلّ الذاكرة الفتيّة عطيّة الله لأطفالنا حتى يتمكّنوا من التعامل مع عصف النكبات. "شعرتُ كأنّ جسماً صلباً أشبه بحجر يرتطم برأسي". بئس الحياة كم قست على أطفال بيروت وهشّمت براءتهم! اتّصالات الأقرباء وتهافت الجيران أنبأت الفتاة بأنّ الحياة لم تنتهِ، وبأنّ ثمّة قلوباً تنبض حبّاً وشفقة وتعاطفاً.
 
عام على الكارثة، لا شيء تغيّر. الحياة عادت إلى ما يشبه "طبيعتها"، والنادي الذي ترتاده إلسا أعاد فتح أبوابه. لكنّ الوجع عميق بعمق جرح الوطن، وكلّ تعزيات الأرض لا تكفي لتضميد خدش. تبكي إلسا كلّما تذكرت أنّ ثمّة أناسا قضوا في الانفجار. تُصلّي لهم بوداعة ملاك وتتمنّى لو استطاعت المساعدة. ينظر إليها شقيقها بفخر. هي وحيدته التي متى كبُر سخّر لها كلّ هبات الله لحمايتها. تبتسم عيناه كلّما تكلّمت، كأنّها نقيض الألم. ببراءته التي تُدمي القلب، ينظر إليها ويستذكر لحظة الخوف. "كنت آكل البطيخ"، يقول ويبتسم. يبتسم.
 
لا تزال إلسا تذكر صور مكتب والدها محمد في "النهار" التي ألمّت بها الكارثة. "خفت يروح شغل بابا"، تقول قبل أن تنساب دمعة صامته من عينها. حطام، زجاج، أوراق متطايرة وجدران بلا نوافذ. لم تنسَ المشهد المرعب ورواية والدها عن دمار مبنى الجريدة وأصوات الهلع، وتبكي كلّما تكلّمت عليها. "في ناس ماتوا وناس راحوا بيوتن وما قدروا يصلّحوهن"، تقولها فتصمت، وتبكي.
 
بين ممارسة الرياضة وزيارة الجدّة والدراسة، يٌحاول جاد وإلسا طرد أشباح الذكرى المرعبة.  على صغر سنّهما أيقنا أنّ الحياة غير مُنصفة، وأنّ العدالة مطّاطية.
 
حتى مدرستهما التي كانت بيتاً ثانياً، عرفت حزناً وخراباً. "الأيام الجميلة آتية"، يقولها المعزّون. آتية، نعم، بإذن الله، يُدرك الطفلان ذلك جيّداً، لكن أين الضمان في مدينة من وجع وتناقضات صارخة ومساءات هجرها النوم؟
 

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم