الأحد - 16 حزيران 2024

إعلان

أرمينيا وجهة سياحية واقتصادية... "نوتة" الأمل بين آسيا وأوروبا (صور)

المصدر: "النهار"
رحلة الى أرمينيا
رحلة الى أرمينيا
A+ A-
علي جفّال- أرمينيا

تستكمل مهمة اكتشاف أرمينيا، كل التصورات السابقة عن هذا البلد الجميل والمضياف. لا تكفي الصور المخزّنة في الذهن عن الجمال الطبيعي فيها، لتثبت تميّزه، كما لا يكفي التواصل مع الشعب اللبناني من أصول أرمينية، لينقل عمق ثقافة هذا البلد، وتضافر عوامل الجذب به من التنوع الثقافي الذي تلمّسه الزائر في العاصمة، الى التنوع الاقتصادي وخطط المستقبل التي وضعتها الحكومة لنقل البلاد إلى وجهة سياسية واقتصادية تستفيد من التطور العلمي القائم.

أرمينيا التي تربط ثقافياً بين قارتي آسيا وأوروبا، تشبه نوتة موسيقية تُعزف بين تلة وأخرى، ووادٍ وآخر.. الشجن في الموسيقى التقليدية يتحول بسرعة الى نوتة حماسية لدى الوقوف أمام منحوتات تروي سيرة نضال الشعب، وتحدّيه للموت والقهر قبل مئة عام. هي سيرة نضال ضد الصعوبات، لكنها باتت طريقاً الى الريادة والفرح.

Sevanavank Monastery

 

من ياريفان، عاصمة أرمينيا، تبدأ الانطلاقة إلى مختلف المدن الأرمينية الأخرى التي زرناها، والتي أغلبها كان بعيداً وسط غابات الصنوبر والسرو، إلى جانب بعض البحيرات الطبيعية والاصطناعية المشغولة تنفيذاً لتخطيط حكومي يتطور على مدار الساعة.

وجاءت زيارة الوفد الإعلامي بدعوة من وزارة السياحة لدعم أرمينيا إعلامياً وترسيخها كوجهة جديدة سياحياً لتميزها عن باقي البلاد والمدن السياحية... هذه الزيارة ذات الطابع الرسمي بمدتها الزمنية والتي كانت ثلاثة أيام كاملة، بدأت ببرنامج منسق مسبقاً ساعة بساعة، دون أي مشروع مفاجئ، او أي تعديل أو تغيير، حتى في أصغر التفاصيل.

هذه الرحلة السياحية حملت في طياتها الكثير من التنوع. فيها الاكتشاف والثقافة والترفيه حتى تجربة المطبخ الأرمني خضناها من خلال تحضير الخبز الأرمني المعروف باسم "لافاج".

أقدم حذاء في أرمينيا

 
 

ياريفان التاريخ والمستقبل

الانطلاقة كانت من فندق "توفنكجيان" العريق بهندسته المعمارية وألوان حجارته المميزة باللونين الأسود والسكري، من هنا كان اللقاء الأول مع المرشد السياحي ميهير أفاتيسيان المشهور باحترافيته، وبقدرته على التعاون والتفاهم ويتسم بميزة أنه مساعد لأقصى حد، فكان المرشد المحب لكل الإعلاميين دون أي كلل أو تذمر.

 

بعد وصولنا الى المدينة، توجّهنا سيراً على الأقدام في جولة لاكتشاف قلب العاصمة ياريفان. الساحة العامة الرئيسية، ساحرة بهندستها وبشكلها الدائري بحيث تربط المتحف الوطني في الوسط وإحدى الوزارات على اليمين واليسار وفندق "الماريوت" في المقابل. القاسم المشترك في هذه الساحة الكبيرة بأبنيتها المحيطة، هو الحجر بلونه الزهري الفاتح أو البيج والتي بسببه سميت بالمدينة الزهرية. هندستها المعمارية الخارجية مزينة بالأعمدة والقناطر والأحجار التي تروي قصصاً طويلة وهي واقفة بوجه الزمن بكل تغييراته. وللمفارقة أنه في وسط هذه الساحة، توجد عدة نوافير راقصة تختلف أشكالها بحسب الموسيقى، والتي كانت متوقفة عند زيارتنا لها بسبب فصل الشتاء، وهي أقدم نافورة مياه في المنطقة أجمع.

وبما أننا ملاصقون للمتحف الوطني، كان لا بد لنا من زيارته بطوابقه المتعددة لنكتشف الحضارات السابقة المختلفة التي مرت على هذا البلد وبالتالي لنرى القطع الأثرية القديمة والنادرة كالحذاء المصنوع من الجلد والذي وجد منذ آلاف السنين بحالة جيدة في أحد الكهوف في أرمينيا، كذلك زرنا جناحاً خاصاً مخصصاً للأزياء التراثية عند الأرمن، إلى جانب جناح آخر مخصص للبدلات العسكرية وبزات الجنرالات الذين استطاعوا أن يتركوا بصمة في التاريخ الأرمني إلى جانب العديد من قطع الأسلحة النادرة والسيوف التي كانت تستعمل في ذلك الوقت مع غيرها من المقتنيات الحربية.

اللافت في هذه الرحلة التمهيدية لمشوارنا، التي تعرفنا فيها على المدينة سيراً على الأقدام، وجود العديد من التماثيل البرونزية لأهم الشخصيات من رجال الأرمن المتواجدة هنا وهنالك، وبالطبع كان الدليل "ميهير" المنقذ المحترف ليعرّفنا أكثر على هؤلاء الرجال ودورهم الاجتماعي.

 

معبد غارني

تابعنا سيراً على الاقدام لنستقل الباص الخاص بنا وليبقى معنا خلال زيارتنا متوجهين إلى معبد "غارني" المتواجد على قمة إحدى التلال محاطاً بالجبال العالية يفصل بينه وبين تلك الجبال واد عميق يخرقه نهر هادر نسمع صوت المياه إلى الأعلى بسبب السكون الموجود في المنطقة.

يُعدّ معبد "غارني" أشهر مبنى ورمز لأرمينيا قبل المسيحية، هو المبنى الوحيد المبني من الأعمدة في العصر اليوناني – الروماني الذي ما زال قائماً في أرمينيا. أنشئ المبنى في القرن الأول الميلادي معبداً لإله الشمس.. وبعد تحول أرمينيا الى المسيحية في أوائل القرن الرابع، تحوّل الى مصيف ملكي. ووفقاً لبعض العلماء، لم يكن المبنى معبداً بل قبراً وبالتالي نجا من تدمير المباني الوثنية. انهار المبنى في زلزال عام 1679، وبدأت عمليات التنقيب في الموقع في أوائل ومنتصف القرن العشرين، وتم إعادة البناء النهائي للمتحف بين عامي 1969-1975.

معبد غارني في المساء

 
 
 

دير نورافانك

اليوم التالي لهذه الرحلة كانت بدايته من الصباح الباكر حيث استهللنا مشوارنا الطويل والذي استغرق ساعتين متجهين الى دير "نورافانك" الذي يعد أحد أجمل الأماكن وأكثرها غرابة التي يمكن زيارتها في أرمينيا. ولا يعتبر المشهد الديني تحفة قديمة فحسب، بل إنه مشهور حقاً بسبب الموقع الجغرافي والمناظر المحيطة به. فالطريق إلى دير "نورافانك" ضيق وطويل. بمجرد أن تمر في قرية "آريني" ستنتقل عبر الوديان وتتغير ألوان الجبال إلى الأحمر البرتقالي النابض بالحياة. تبدو المشاهد المحيطة بهذا الدير في الجبال حقاً إبداعاً بريشة الخالق.

يعد دير "نورافانك" أحد أهم المجمعات في أرمينيا. فهو يضم عدة كنائس، ليكون مركزاً روحياً وتعليمياً وثقافياً في المنطقة التي يقع فيها. "نورافانك" هو أيضاً المكان الذي عمل ودفن فيه بعض أهم فناني العصور الوسطى.

 
 
 

"أولد بريدج"

كثرة الأديرة والأرض الجبلية الصالحة لزراعة العنب مع توفر المناخ اللازم يعني إنتاج النبيذ الأرمني. لهذا السبب كان لا بد من زيارة أحد أهم وأعرق مصنع لصناعة النبيذ، فكان لا بد من زيارة "أولد بريدج" الذي يعود إلى سنة 1990، وتملكه عائلة "خالبيان" كما تملك مطعماً صغيراً الى جانب هذا المعمل حيث يستقبلونك بمنتجاتهم الطبيعية والمطبوخة يدوياً من الأهل أجمعين بكثير من الحب والاهتمام مع النكهة الأرمنية الحقيقية  لتذوق إنتاجهم من النبيذ بأشكاله وألوانه المتعددة وسرد حكاية كل قنينة نبيذ بتاريخها وكيفية صنعها وطريقة حفظها لإبقائها على جودتها ومذاقها، وبالطبع شراء نبيذ من المصدر هو أفضل بكثير من شرائه من الخارج لأن سعره يكون أقل من النصف.

 
 

خزان آزات

ولأن الرحلة لا تقتصر فقط على الزيارات الدينية، تتضمن أيضاً بعض المغامرات، فخصص لنا الفريق المنظم "أوف رود" مع جيبات متخصصة للجبال لنتوجه في الوادي بين الجبال إلى "خزان آزات" الكبير على ارتفاع 1050 متراً عن سطح البحر وسط سلسلة من الجبال من كل الاتجاهات. فالهدوء والسكينة هي المسيطرة على المكان لولا تغريد بعض الطيور كالحجل مثلاً وغيرها التي تكسر هذا الصمت التام الذي يقودك إلى التأمل بالطبيعة وعظمة الجبال بألوانها الطبيعية والأخاذة، كانت فرصة لاحتساء القهوة الأرمنية لنعود من جلسة تأمل وصفاء لا مثيل لها إلى العاصمة مجدداً للعشاء والراحة كي نستعد لليوم التالي من البرنامج.

 

دير خور فيراب

يوم جديد ورحلة طويلة من الصباح لمحطتين مهمتين هما زيارة دير خورفيراب وسيفان.

للوصول إلى دير خور فيراب، يعني ذلك أكثر من ساعتي قيادة على الأقل وسط الجبال والمناطق والطبيعة حتى وصلنا الى هذا الدير الذي يعتبر واحداً من تلك الأماكن التي يجب أن تكون على خط سير الرحلة عندما تزور أرمينيا، لأنك عندما تصعد الدرج الطويل وتلامس جدران الدير الذي يحكي حكايات طويلة من التاريخ دون توقف، سوف تعرف حينها قيمة هذا المكان.

قبل خور فيراب، كان المكان رمزاً لأرمينيا المسيحية. كان زنزانة ملكية بناها الملك أرتاش الذي أسس العاصمة التاريخية لأرمينيا، من هنا تمت ترجمة "خور فيراب" إلى "زنزانة عميقة"، آخر سجين كان غريغوريوس المنور كان مميزاً وصاحب الدور الرئيسي فيما بعد لتأسيسه الكنيسة الأرمنية الرسولية وسبباً رئيسياً في أن أرمينيا أصبحت في النهاية أول دولة مسيحية في العالم عام 301.  وتم استخدام "خور فيراب" كمقر لكاثوليكوس أرمينيا وكان مركزاً تعليمياً في العصور الوسطى.

 

سيفان

بعد زيارة دير "خور فيراب"، كان لا بدّ من الاتجاه إلى مدينة سيفان لنتعرف عليها عن كثب بعد أن سمعنا عنها كثيراً، وقمنا بالأبحاث المسبقة لنتحضر إلى ماذا سينتظرنا بعد أكثر من ثلاث ساعات قيادة.

سيفان هي واحدة من أكثر المنتجعات شعبية في أرمينيا وتقع في محافظة غفاركونيك على الشواطئ الشمالية الغربية لبحيرة سيفان على ارتفاع 1925 متراً عن سطح البحر.

يحيط بسيفان منتزه سيفان الوطني وهو محمية طبيعية، في حين تشكل بحيرة سيفان الحدود الطبيعية للمدينة. سيفان هي موطن لواحد من أبرز نماذج العمارة الأرمنية في العصور الوسطى.. أما دير سيفانافانك في القرن التاسع، فكان مخصصاً أساساً للرهبان الذين أخطأوا.

يتكون الدير من كنيستين، بني الدير في البداية على الشاطئ الجنوبي لجزيرة صغيرة تحولت فيما بعد الى شبه جزيرة خلال النصف الأول من القرن العشرين نتيجة لتصريف بحيرة سيفان الاصطناعية تحت حكم جوزيف ستالين، ما تسبب في انخفاض مستوى المياه حوالي 20 متراً.

يوم طويل كان بين التنقل من مكان إلى آخر بحكم المسافات البعيدة لنعود الى العاصمة ياريفان ثانية، ونتوجه الى نصب "أرمينيا الأم"، فهو المكان الذي لم يكن مقرراً مسبقاً في البرنامج، لكن أحد الزملاء أصر على الزيارة لأنه من الأماكن التي يجب زيارتها بحسب أبحاثه المسبقة لأرمينيا، فهو نصب لامراة تتجه بنظراتها نحو تركيا حاملة سيفاً بيدها. هذا النصب استبدل بنصب كان في السابق لستالين، أما قاعدته الضخمة فهي متحف عسكري يضم أهم المعدات والأجهزة التي مرت بها البلدة في الحروب الماضية.

Mother Armenia

 
 

خلال مدة قصيرة، يستطيع زائر أرمينيا أن يمرّ على أبرز معالمها. بالطبع بقي الكثير منها لعلها ستكون فرصة ثانية لنا لزيارة هذا البلد الجميل بأهله وطبيعته وتاريخه.

توجهنا  جميعنا لنأخذ القليل من الراحة  في الفندق ومن بعدها توجهنا إلى العشاء في الليلة الختامية في أحد المطاعم الأرمنية الراقية، ونغادر مكاناً يسكن في القلب، تاركين كل الذكريات الجميلة، وقد أخذنا منها الصور لنعرضها على القراء بحب ومصداقية.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم