السبت - 15 أيار 2021
بيروت 23 °

إعلان

فقراء طرابلس يهابون رمضان: "كيف سنفطر؟"... إعاشات "ضد الذلّ" والسياسيون غِياب

جودي الأسمر
جودي الأسمر
تصوير إسبر ملحم.
تصوير إسبر ملحم.
A+ A-

كان زوج هدى، الأب لطفلين، يعمل بائع كعك في طرابلس، لقاء أجر يومي زهيد يبلغ 40,000 ليرة. تخلّى صاحب الفرن عن خدمات الأب بدون تعويض، بسبب غلاء أسعار الموادّ الأولية وقلّة الزبائن. اليوم، تعيش هذه الأسرة على قارعة المجهول، في حارة ضهر المغر الشعبية بدون مورد مالي يؤمّن خبزها، ورمضان على الأبواب.

تقول هدى لـ"النهار": "لا نعلم كيف سنفطر أو نؤمن إيجار بيتنا بـ300 ألف ليرة شهرياً. تلقّينا كرتونة إعاشة من أناس أخيار. الرزق من الله وله الحمد. لكن الإعاشة بالكاد تكفي لبضعة أيام في رمضان. الهمّ يأكلنا".

وفي شارع سوريا الذي يشكل الشريان الأساسي لباب التبّانة، يجلس عُمَر، وهو يتيم الأبوين، على كرسيّه المتحرّك، محاولاً التفيّؤ في ظلال كشك لذوي الحاجات الخاصّة، حيث يبيع الدخان والسكاكر ليؤمّن كفاف عيشه مع ابن اخيه الطفل الذي يسكن معه في شقّة لا يدخلها ضوء الشمس.

"لطالما حرصت على استقلاليتي، لكن الوضع صعب. تخليت عن أصناف عديدة. بالكاد أبيع المرطّبات والبسكويت. علمت أنّ مجموعة شباب سيقدمون لي إعاشة خلال يومين"، يخبرنا عمر محاولاً احتباس دمعه.

لا شك بأنّ معاناة هدى وعُمر واعتمادهما على كرتونة الإعاشة تحاكي مآسي المشهد اللبناني. ويشتدّ خناقه عند مسلمي طرابلس مع اقتراب شهر رمضان، حيث يتهيّبون تأمين حاجاتهم الغذائية. وفي تحوّل المعادلة، يقدّم المعونة شباب من المدينة بقدراتهم المحدودة، عوضاً عن السياسيين ومكاتبهم المحتجبة، أو المتأخرة عن مشهد الكرتونة وبطاقات التغذية، بخلاف نشاطها في بيروت وضواحيها. ماذا تنقل "النهار" في خصوصية طرابلس؟

 

جوع بالأرقام

بداية مع ترقيم الأزمة، دوّى في الآونة الأخيرة "مؤشر الفتوش" ببلوغ سعر السلطة الرمضانية نحو 18.500 ليرة، أي نحو 555 ألف ليرة خلال شهر، ما يعادل 82% الحدّ الأدنى للأجور، مرتفعاً بنسبة 210% عام 2021. فيما فقَد المواطنون نحو 85% من القدرة الشرائية وانهارت قيمة الليرة مقابل الدولار، الذي تحكمه السوق السوداء في ظلّ كارتيلات مصرفية وغياب هيكلية مالية منقذة. وفي خلاصة استعصاء الأزمة، يحلّ لبنان في المرتبة الثانية عالمياً بعد فنزويلا بنسبة تضخّم سنويّ 301.5%، بحسب خريطة مؤشر التضخم في جامعة جون هوبكنز.

طرابلس التي تنتظر "شهر الخيرات" من سنة إلى أخرى، لا تحيد عن هذا الواقع المتدهور وتعيش أكثر تجلياته قسوةً بحسب أرقام للـ(إسكوا). فقد أعلنت أنّ 70% من مواطني طرابلس غير قادرين على تأمين حاجاتهم الأساسية. في جولة على أسواق الخضر واللحوم في التبانة والرفاعية التي كانت تحتضن ظواهر تموين، نلمس أنها غدت مرتعاً لشبح الإقفار والفقر، في مدينة تتآكلها بطالة تتجاوز نسبة 60%، وتعمل فيها شريحة واسعة من مياومين فقدَ معظمهم موارد الرزق منذ تفشي كورونا.

جدير بالتمعّن أنّ التحوّلات الاقتصادية السيئة أسفرت عن تحوّلات سلوكية ومفهومية، يمكن رصدها بمشاهد الذلّ القاسية في السوبرماركات، خلال عراكات المواطنين على كيلو سكّر أو كيس حليب. لا وزن للكرامة لدى أيّ معيل أسرة حين يجوع ولده. والتنازل عينه سينسحب على كراتين الإعاشة، المرادفة للذلّ بالمفهوم التقليدي. تحوّلت الإعاشة في معيار الصائمين إلى قشّة غريق لا يتعيّب بها أحد، أو حتى "الآخر" المترفع، أو الذي يعيّر المحتاج بتلقّيها لقاء صوت انتخابي يدين به لنائب جوّعه طوال العام.

 

إعاشات "لا للذلّ"

المفارقة الأهم في طرابلس، أنها بخلاف مناطق تشهد "طفرة" إعاشات وموادّ غذائية تقدّمها أحزاب في السلطة، تعكف القوى السياسية على تقديم المعونات، وأبرزها مكاتب جمعية "العزم والسعادة"، مع ورود معلومات عن التحضير لمبادرة خلال رمضان. ويحتجب تيار "المستقبل" كلياً عن المشهد، فيما ينظم النائب فيصل كرامي مساعدات غذائية تلقّاها من مستوعبات تركية. ويعلّق المراقبون، أنّ غياب السياسيين الواضح هو ترجمة لاستباقهم أن لا انتخابات في العام المقبل. ناهيك عن الجمود الملحوظ في حماسة الشارع الطرابلسي، الذي لم يعد يقيم اعتباراً لـ"الزعيم" والتيّار، أو يذود عنهما لأنه صرف تفكيره إلى لقمته.

إذًا، يسدّ عجز الطرابلسيين أمام رمضان، دولار الاغتراب أو إعاشة من جمعية محليّة تشكّل "أدوات" دعم تقليدية وثابتة. في المقابل، لم تحل الأزمة دون مبادرات يطلقها شباب مستقلّون، ومنهم من شكّل عصب انتفاضة 17 تشرين، أو ينتمي إلى ثقافة طرابلس الإغاثية التي شغفتهم. إلى جانب مزاج التعاضد وعمل الخير الطاغي هنا، الذي يساعد المدينة على الالتفاف حول جرحها المعيشي العميق.

محمد العمر، من شباب انتفاضة تشرين، كسب منذ سنوات ثقة الأهالي من الأحياء المحرومة. أسّس مع مجموعة أصدقاء متطوعين مبادرة "حجر وبشر"، التي ساعدت في ترميم بيوت، والاستشفاء، وتقديم الخبز والمعونات الغذائية من خلال تبرعات المحسنين.

يحضّر الشباب على قدم وساق حملة "منقوى ببعض"، بالتعاون مع "أنقذوا طرابلس"، و"لجنة الطوارئ الاقتصادية"، و"ثمار للتنمية الاقتصادية". يهتم المشروع بـ "إفطار صائمين من خلال مطبخ رمضاني يقدم وجبات للأسر المتعفّفة، إلى باب بيتها مع حرص على الطهو والتوضيب بمعايير صحّية، وقد بلغ عدد المستفيدين نحو 58000 شخص عام 2020".

يضيف العمر: "هدفنا أن نجنّب أهالينا الانكسار والذلّ لأيّ جهة سياسية. أحد المغتربين في كندا يكفل اليوم 3 أسر متعففة ربطناها به. معي مجموعة من 7 أطفال أحاول تنشئتهم على التطوّع ورفض الخنوع، يساعدونني في توزيع الحصص ويتسابقون للمساعدة. كان الأطفال يلعبون في أزقة باب الرمل، معرّضين لخطر الشوارع، ويضيق بهم صدر الجيران".

 
 

حيل وتحديات

في روحية مماثلة، نشأت عام 2016 مجموعة Hope Makers. المجموعة التي تضم أكثر من 50 متطوعاً، تهتم بتوزيع إعاشات في مبادرة "إيد بإيد تالخير بسحورهم يزيد". تجاوزت التغطية 200 أسرة. وبحسب التقديرات، أكثر المتبرعين هم مغتربون وعاملون يتقاضون الدولار.

لا تخفي جنى البابا، مؤسِسة المجموعة، تحديات السنة، "مشاعر مختلطة اعترتني ورفاقي خلال شرائنا الموادّ من سبينس. لا يحق لنا حسب قوانين السوبرماركت شراء أكثر من سلعتين من ذات الصنف. أنضحك أم نبكي؟ كنا ندخل بالمداورة من أبواب سبينس، ليخرج كل واحد منا بكيسين، ثم يعاود الدخول للتبضع. حرصنا على تضمين الحليب لأنه مفقود ومهدد"، مضيفة: "ضحينا بإفادة أصحاب الدكاكين الصغيرة، لأننا لاحظنا أنّ أسعارها أعلى بكثير من تلك المعتمدة في السوبرماركت".

 

المبادرتان عيّنة من سياق أهليّ محليّ يعجّ بالمعونات الغذائية، من بينها مبادرة "الدكانة الاجتماعية"، و"مطبخ ساحة ومساحة"، و"تكية أم طه"، و"شاركنا إفطارك"، ومساعدات "حراس المدينة"، وغيرها.

لوفرتها، سيتعذر حصر وإحاطة هذه المبادرات المستمرة بجهود صادقة. وقد تستفيد أسرة محتاجة من عدة مساعدات وتُحرَم أسر مغمورة في وجعها، ما يفرض التنسيق.

في إطار مواز، تنوّه رئيسة اللجنة الاجتماعية في بلدية طرابلس، المحامية رشا سنكري، بأنّ البلدية "أنشأت العام الماضي مجموعة تسمى "تشبيك" من 64 جمعية أهلية حققت أداءً فعّالاً خلال الشهر الفضيل، ما كنا لنتوقعه بسبب كورونا واشتداد الأزمة المعيشية. وتعمل البلدية اليوم ضمن مشروع ممول من (اليونيسف) على إنشاء منصّة بيانات متقدّمة، تتشارك ضمنها الجمعيات بياناتها في صيغة تحفظ سرية كلّ جمعية وخصوصية الأسر".

وعن مساهمة البلدية في معونات غذائية خلال رمضان، تختم بأنّ "البلدية أقدمت على توزيع نحو 1900 حصّة غذائية في شهر آذار. وأيّ خطوات محتملة قيد تقييم رئيس البلدية الدكتور رياض يمق".

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم