الإثنين - 21 أيلول 2020
بيروت 27 °

بِمَ يُفيد التطبيع الأطراف المعنيّة بـ"اتّفاق ابرهيم"؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
خلال توقيع اتفاق التطبيع في البيت الأبيض (أ ف ب).
خلال توقيع اتفاق التطبيع في البيت الأبيض (أ ف ب).
A+ A-
وصف جميع الموقّعين على "اتفاق ابرهيم" في حديقة البيت الأبيض، يوم أمس، هذه الخطوة بأنّها "تاريخيّة" بالنسبة إلى المنطقة. وشمل الحدث توقيع الإمارات العربيّة المتّحدة ومملكة البحرين وإسرائيل على تطبيع للعلاقات برعاية الولايات المتّحدة. يأتي هذا الاتّفاق بمكاسب عدّة للموقّعين عليه، ويحمل توقيته دلالات إضافيّة على أخذ المعنيّين هذه المكاسب بالاعتبار.

رسائل لترامب بالجملة
بالنسبة إلى الولايات المتّحدة، يسعى ترامب إلى الاستفادة من هذه اللحظة كي يعزّز شعبيّته على طريق الانتخابات الرئاسيّة. لا تؤشّر أرقام استطلاعات الرأي إلى حظوظ كبيرة لديه في هذا المجال. على الرغم من ذلك، لا تختلف هذه الأرقام كثيراً عن تلك التي كانت سائدة في الوقت نفسه منذ أربع سنوات، مع الإشارة إلى أنّ احتمالات فوز منافسه جو بايدن أفضل نسبيّاً من الاحتمالات التي كانت تتمتّع بها هيلاري كلينتون في أيلول 2016. تعاني الولايات المتّحدة من تدهور في الوضعين الاقتصاديّ والصحّيّ بسبب جائحة "كورونا". لذلك، إنّ إنجازاً خارجيّاً قبل نحو شهر ونصف الشهر من الانتخابات قادر على صرف الانتباه قليلاً عن الواقع الداخليّ. ولهذه الرؤية مبرّراتها.

أتى ترامب إلى الرئاسة الأميركيّة على أساس أنّه "عاقد صفقات" ناجح. تُعدّ هذه الصورة التي يرسلها إلى الجمهور أحد أهمّ مكامن قوّته الشعبيّة. "اتّفاق ابرهيم" هو استكمالٌ لتلك الصورة. لم تمرّ جميع محاولات عقد صفقات مع أصدقاء أو خصوم الولايات المتّحدة بنجاح. تمكّن الرئيس الأميركيّ مثلاً من إلغاء "اتّفاقيّة نافتا" وإحلال "الاتّفاقيّة الاقتصاديّة الأميركيّة المكسيكيّة الكنديّة" محلّها. لكنّه لم يستطع تحقيق إنجاز مشابه مع "اتّفاقيّة الشراكة عبر الهادئ" التي انسحب منها عقب دخوله البيت الأبيض.

على المستوى السياسيّ، لم يتوصّل ترامب إلى اتّفاق نوويّ جديد مع إيران أو مع كوريا الشماليّة. ففي الملفّ الثاني، لم تساهم ثلاثة لقاءات بين ترامب وكيم على تحديد مسار لنزع الأسلحة النوويّة من شبه الجزيرة الكوريّة، بينما اقتربت منطقة الشرق الأوسط من حافّة الحرب بعد اغتيال الولايات المتّحدة لقائد "قوّة القدس" قاسم سليماني. وتدهورت الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة في إيران بفعل العقوبات الأميركيّة، والأمر نفسه انطبق على قدرتها في تمويل وكلائها عبر المنطقة. وقال ترامب أمس إنّ "إيران ترغب بعقد اتّفاق معنا لكنّني قلت لهم أن يتريّثوا إلى ما بعد الانتخابات الرئاسيّة".

بواسطة "اتّفاق ابرهيم"، وجّه ترامب رسالة إلى قادة الدول المناوئة لبلاده مفادها أنّ بإمكانهم الحصول على "الأبّهة" نفسها في حال قبلوا بعقد اتّفاقات معه. كذلك، كان حدثُ الأمس رسالة تذكيريّة إلى الداخل الأميركيّ من أجل لفت انتباههم مجدّداً إلى أنّه لا يزال الرجل نفسه القادر على عقد التسويات حين تتوقّعها القلّة. من ناحية ثانية، وحتى لو فشل ترامب بالفوز بولاية ثانية، وبالتالي، الإخفاق في التوصّل إلى اتّفاق مع الإيرانيّين، ستكون خلاصة "اتّفاق ابرهيم" التي يريد ترامب رسمها مناقضة لخلاصة الاتّفاق النوويّ الذي عقده سلفه مع إيران، وتقوم على أنّ رعاية اتّفاقات مع الأقربين أفضل من رعاية اتّفاق مع دول "مارقة" و"لا تلتزم تعهّداتها".

ماذا يكسب نتنياهو؟
مع تدنّي شعبيّته بفعل اتّهامه ومحاكمته بقضايا فساد وارتفاع نسبة البطالة داخل الدولة العبريّة، يبحث رئيس الوزراء الإسرائيليّ عن قضيّة تبعد هذه الإخفاقات الداخليّة عن العناوين السياسيّة الداخليّة. صحيحٌ أنّ تل أبيب لم تكن في حالة حرب مع البحرين والإمارات، لكنّها تحتاج إلى مظلّة سياسيّة واسعة داخل منطقة شديدة التقلّب. إنّ التطبيع مع دولتين بارزتين في مجلس التعاون الخليجيّ، بعد التطبيع مع دولتين عربيّتين مجاورتين (مصر والأردن) يقدّم نتنياهو بصورة "مرسِّخ" موقع إسرائيل في منطقة هشّة. ولطالما استفاد رئيس الوزراء الإسرائيليّ من التطوّرات الإقليميّة لتعزيز هذه الصورة لدى الناخبين الإسرائيليّين.
هذا ما حصل مثلاً حين اعترفت الولايات المتّحدة بسيادة إسرائيل على الجولان المحتلّ، أو حينما تسلّم نتنياهو رفات الجنديّ زكريا باومل بجهد روسيّ، في نيسان 2018. سيشترك ترامب ونتنياهو، أو هكذا يسعيان على الأقلّ، في أنّهما سيُصنَّفان ضمن كبار القادة التاريخيّين بالنسبة إلى مواطنيهما، كما جرى سنة 1994 حين رعى بيل كلينتون اتّفاق السلام بين إسحق رابين والملك الحسين بن طلال، أو كما رعى الرئيس الأسبق جيمي كارتر اتّفاق السلام بين مناحيم بيغن والرئيس المصريّ أنور السادات.

مكاسب إماراتيّة وبحرينيّة... وفلسطينيّة؟
تحت الأضواء الإسرائيليّة التي غمرت نتنياهو، ثمّة ما قد ينغّص فرحته ولو إلى حين. على الرغم من أنّه وعد بألّا تحصل الإمارات على المقاتلات الأميركيّة الأحدث من طراز "أف-35"، توحي مؤشّرات تظهر تباعاً بأنّ الولايات المتّحدة تميل إلى تسليم أبو ظبي ما تطلبه. سيعدّ هذا الأمر انتصاراً كبيراً للإمارات لو حصل. وهي تسعى أيضاً إلى تكنولوجيا حديثة تطوّرها إسرائيل أكان في المجال العسكريّ، كالطائرات من دون طيّار أو "القبّة الحديديّة"، أو في مجال الأبحاث الأخرى. فالإمارات منخرطة في الحرب ضدّ الحوثيّين في اليمن، وستكون بحاجة إلى هذه التكنولوجيا لنجاح مهمّتها. وستتمتّع الإمارات والبحرين وإسرائيل بقدرة أكبر على التنسيق السياسيّ والعسكريّ لمواجهة النفوذ الإيرانيّ في المنطقة. من جهة ثانية، ضمنت الإمارات تجميداً ولو موقّتاً لعمليّة ضمّ أجزاء من الضفّة الغربيّة، الأمر الذي يتيح الإبقاء على حظوظ حلّ الدولتين. الثمن الذي قد يدفعه نتنياهو مع اليمين الإسرائيليّ المؤيّد لاستمرار عمليّة الضمّ سيبقى قيد المتابعة.

إذا كان اتّفاق "ابرهيم" يعزل إيران أكثر في المنطقة، فإنّ عزل تركيا قد لا يكون هو الآخر بعيداً من أهدافه. يرى الباحث البارز في "معهد الشرق الأوسط" ابرهيم الأصيل أنّ للإمارات وإسرائيل مصلحة في تقليص النفوذ التركيّ إقليميّاً، لكنّهما لا تسعيان إلى مواجهة مباشرة معها. ويضيف لـ "النهار" أنّ إسرائيل تعمل على تمتين علاقاتها مع اليونان وقبرص، برعاية أميركية، من أجل الحدّ من الطموحات التركية في التنقيب عن الغاز شرقيّ المتوسّط. وذكر أنّه من المرجّح أن تدعم الإمارات هذه الجهود وربّما تتشارك مع هذه الدول في تمارين عسكريّة في المستقبل القريب. ولفت النظر إلى وجود مواجهة شرسة بين المحور التركيّ والمحور الإماراتيّ في ليبيا وهذا يعزّز مصلحة الإمارات في تقوية تحالفاتها في حوض المتوسّط.

في نهاية المطاف، يؤمّن اتّفاق التطبيع مصالح تكتيكيّة و/أو استراتيجيّة لكلّ الأطراف. وبغضّ النظر عن مسار الانتخابات الرئاسيّة، ترى شبكة "سي أن أن" أنّ الإمارات والبحرين حقّقتا ربحاً في كلتا الحالين. لو فاز ترامب بولاية ثانية، فستكونان قد كسبتا النقاط مع إدارته. أمّا في حال فاز بايدن، فستكونان قد حصّنتا موقعيهما تجاه الإدارة بعد التطبيع. كذلك، وفي مقال نشرته مجلّة "بوليتيكو"، توقّع مستشار الأمن القوميّ في عهد الرئيس جورج بوش الابن ستيفن هادلي، ووزيرة الخارجيّة الأميركيّة السابقة مادلين أولبرايت، أن يساهم هذا التطبيع بالمزيد من التنازلات الإسرائيليّة في مسائل الضمّ ولصالح قيام دولة فلسطينيّة.

يترك حدث الثلثاء أسئلة كثيرة قد لا تجد جواباً قبل الانتخابات الأميركيّة. هنالك توقّعات باحتمال انضمام دول خليجيّة وعربيّة أخرى إلى معاهدات سلام بعد الإمارات والبحرين. فهل يحافظ هذا المسار على زخمه في حال فاز بايدن؟ ولو انتصر ترامب، هل تشترط الدول الأخرى وقف عمليّة الضمّ كأساس واضح لحلّ الدولتين، من أجل القبول بتطبيع العلاقات؟ وهل بإمكان هذه السياسة أن تدفع الإدارة الجمهوريّة إلى تعديل "صفقة القرن"؟
الكلمات الدالة