"الأردوغانيّة" إذ تتزامل مع "الترامبيّة"
Smaller Bigger

في 13 أيّار، أي قبل يوم واحد على انطلاق الانتخابات العامّة، نشرت مجلّة "نيوستيتسمان" البريطانيّة تقريراً معمّقاً عن حكم الرئيس رجب طيب أردوغان. أعدّ التقرير الكاتب السياسيّ المقيم في برلين جيريمي كليف. نجح الكاتب في اختيار عنوان جذّاب، على الأرجح بسبب جرأته في التوقّع: "غَسَقُ الأردوغانيّة".

 

بالنظر إلى الانطباعات التي ولّدتها استطلاعات الرأي في تركيا، لم يكن العنوان منفصلاً عمّا أوحى به الواقع العامّ. التغيير الذي طال انتظاره في تركيا كان عنوان تقارير كثيرة. ثلاثة عوامل على الأقلّ رجّحت نظريّاً كفّة رئيس "حزب الشعب الجمهوريّ" كمال كيليجدار أوغلو: الأزمة الاقتصاديّة وزلزال شباط واتّحاد المعارضة للمرّة الأولى. صناديق الاقتراع كذّبت الاستطلاعات فأفرزت حقيقة مختلفة. نجح أردوغان في كسب ولاية رئاسيّة ثالثة وفي حصد غالبيّة برلمانيّة. تبيّن سريعاً أنّ هذه العوامل لم تكن غير كافية لقلب الطاولة.

 

من ترامب إلى أردوغان

المفاجأة الكبرى حملتها المناطق الأكثر تضرّراً من الزلزال حيث حصد أردوغان وحزبه في الجولة الأولى الغالبيّة الساحقة من تلك المناطق. وتكرّر أداء أردوغان المتفوّق في الجولة الأخيرة بحسب أرقام أوّليّة. وجّه بعض المناصرين ملامة بطء عمليّات الإغاثة إلى "حزب العدالة والتنمية" لا إلى أردوغان، بينما لم يثق آخرون بقدرة المعارضة على مواجهة التحدّي. وقال البعض إنّه لم يكن بإمكان الحكومة تقديم أكثر ممّا قدّمته.

 

بعيداً من نكبة الزلزال، يبدو أنّ الأتراك غير مهتمّين فقط بالأمور المعيشيّة. كان أردوغان قادراً على استخدام سياسات الهويّة لتعبئة مناصريه بنجاح، على ما شرحه المسؤول السابق في وزارة الخارجيّة الأميركيّة آرون ديفيد ميلر لـ"سي أن أن". فهو ربط خصومه بإرهاب "حزب العمّال الكردستانيّ" عبر التحالف مع "حزب الشعوب الديموقراطيّ"، كما جعل تركيا ضحيّة لـ"الإمبرياليّة" الأميركيّة ومجتمع الميم. تغلّبت هذه القضايا على مسألة المعيشة بحسب ميلر الذي وصف أردوغان بالأوتوقراطيّ "الذكيّ".

 

لا تزال خطابات وحملات أردوغان القوميّة تلهب الجمهور. بين جلوس كيليجدار أوغلو داخل مطبخ ممسكاً ببصلة ليحذّر من ارتفاع أسعارها لو استمرّ الرئيس في الحكم، وبين تدشين أردوغان عدداً من المعدّات العسكريّة التركيّة من بينها سفينة "تي سي جي أناضول" الحاملة للمروحيّات والمسيّرات، كسب الرئيس معركة "البصريّات" إلى حدّ كبير. لكن في الوقت نفسه، يبقى أنّ المعركة أبعد من هذه الحدود. يعتقد أردوغان أنّ التباهي بالصناعات العسكريّة التركيّة يؤكّد حقّ تركيا في أن تكون قطباً إقليميّاً ودوليّاً. تقول مديرة برنامج تركيا في "مشروع ديموقراطية الشرق الأوسط" مرفي طاهر أوغلو إنّ سياسته الخارجيّة ترتكز بالكامل على "جعل تركيا عظيمة مجدّداً".

 
 
 

أردوغان ونظيره الأميركيّ حينها دونالد ترامب، 2019 (أ ب)

 

إنّ استعارة شعار الرئيس الأميركيّ السابق دونالد ترامب وتطبيقه على سياسة أردوغان وخطابه ليسا جديدين. في اليوم التالي للجولة الانتخابيّة الأولى، رأت الأستاذة المشاركة في جامعة القديس توما (هيوستن) توبا أونلو بيلجيتش أنّ "ميلَ ‘اجعلوا تركيا عظيمة مجدداً‘ ينتصر" حيث أظهرت الانتخابات بوضوح مرونةَ وبروزَ اليمين التركيّ. وكتبت في "مركز تحليل السياسات الأوروبية" أنّ أردوغان لا يستفيد من صورة "الرجل القويّ" التي يقدّمها عن نفسه لجهة إعلاء مكانة تركيا وحسب، بل أيضاً على مستوى إقناع الناخبين بأنّه قادر على حلّ الأزمة الاقتصاديّة. لكيليجدار أوغلو أفكار قوميّة تتعلّق تحديداً بإعادة اللاجئين السوريّين إلى أراضيهم. لكن يبدو أنّ عدم قدرة تحالفه على تمثيل تيّار محافظ متجانس أثّر سلباً على قدرته في تعبئة القوميّين.

 

وربّما لا يزال يتعيّن على "حزب الشعب الجمهوريّ" سلوك مسار طويل قبل أن يصبح أكثر إقناعاً لقسم من الناخبين باحترامه للحرّيّات الشخصيّة وخصوصاً حرّيّة ارتداء الحجاب. فقد ظلّت أصوات متردّدة، بما فيها أصوات شابّة، تعرب عن خشيتها من عودة السياسات العلمانيّة المتشدّدة في حال فوز المعارضة.

 
 

من المرجّح أن تتقاطع جميع هذه العوامل بشكل أو بآخر عند سبب جذريّ واحد: عدم الثقة بالبديل عن أردوغان – وربّما بأيّ بديل على الإطلاق. كان هوشيار أوزسوي، النائب عن "حزب الشعوب الديموقراطيّ" المعارض ذات الغالبيّة الكرديّة، متردّداً إزاء الاحتفال المبكر. هو قال لكليف: "لقد أصبح الناس معتادين جدّاً عليه (أردوغان) إلى درجة أنّ هناك خوفاً من التغيير والاضطراب لو رحل". يضيف هذا التحليل بعداً آخر إلى سلسلة الأبعاد المتشابكة التي تفسّر سبب استمرار أكثر من نصف الشعب التركيّ في تفضيل الرئيس الحاليّ. فمشكلة كيليجدار أوغلو أنّه لم يوحِ بالثقة حتى للمعارضة قبل الموالاة، كما حصل مع حزب "الخير" الذي طالب بقيادات أكثر شباباً للترشّح إلى الرئاسة باسم المعارضين.

 

المرحلة المقبلة... أصعب؟

إذا كانت عبارة "غسقُ الأردوغانيّة" مستعجِلة فالواضح أيضاً أنّ "الأردوغانيّة" لا تعيش أفضل أيّامها. بعبارة تراعي نظيرها، "الأردوغانيّة" ليست في أوج ظهيرتها. تمكّنت المعارضة للمرّة الأولى من دفع الرئيس التركيّ إلى جولة انتخابيّة ثانية كما أنّ فارق النقاط المئويّة الأربع بين الفائز والخاسر ليس كبيراً. في الواقع، وبانتظار الأرقام النهائيّة، تمكّن كيليجدار أوغلو من تقليص الفارق بشكل هامشيّ عن الجولة الأولى (من 5.6 إلى 4.3 في المئة تقريباً) مع الأخذ بالاعتبار مسألة أنّ المرشّح سنان أوغان الفائز بنحو 5.17 في المئة من الأصوات أعلن أنّه سيجيّر أصواته لأردوغان. وبالرغم من تحقيقهما فوزاً كبيراً في الانتخابات التشريعيّة، خسر "العدالة والتنمية" و"الحركة القوميّة" نحو 21 مقعداً بالمقارنة مع انتخابات 2018. يأتي ذلك وسط إحكام الحزب الحاكم قبضته على الإعلام واللجنة الانتخابيّة العليا وتنظيم الأحزاب وسجن الناشطين الحقوقيّين ممّا يجعل الانتخابات في تركيا حرّة لكن غير عادلة بحسب تعبير البعض.

 
 

ونقل كليف عن معارض للرئيس التركيّ قوله إنّه حتى ولو فاز أردوغان "فستكون هناك انتخابات أخرى بعد عامين" لأنّ الرئيس "لن يكون قادراً على مقاومة التدخّل أكثر في الاقتصاد". توقّع مراقبون أن يتدهور الوضع الاقتصاديّ أكثر في حال فوز أردوغان بالنظر إلى سياساته النقديّة غير التقليديّة القاضية بخفض معدّل الفائدة وسط التضخّم. ومن غير المستبعد أن يتشدّد أردوغان أكثر في نظرته تلك على اعتبار أنّ الانتخابات منحت سياسته المزيد من الشرعيّة.

 

ربّما يواجه أردوغان المزيد من الصعوبات الاقتصاديّة والسياسيّة في الأعوام المقبلة. لكنّه بالتأكيد حقّق المهمّ إن لم يكن الأهمّ طوال مسيرته السياسيّة: أن يكون على رأس الجمهوريّة التركيّة وهي تطوي مئويّتها الأولى في تشرين الأوّل (أكتوبر) المقبل.

 

كما كانت الحالة مع استعجال نهاية الترامبيّة بعد أحداث الكابيتول والانتخابات النصفيّة الأخيرة والملاحقات القضائيّة، هكذا بدت الأمور بالنسبة إلى الأردوغانيّة بعد التضخّم والكوارث الطبيعيّة في تركيا. في 13 أيّار أيضاً، كتب المؤرّخ الاسكتلنديّ نيال فيرغسون مقالاً أوضح فيه أسباب قدرة ترامب على العودة إلى البيت الأبيض. من يُرِدْ دليلاً آخر فـ"الأردوغانيّة" حاضرة.

 

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 2/3/2026 8:35:00 PM
غموض يلف مصير سيف الإسلام القذافي وسط تضارب الأنباء في الزنتان
شمال إفريقيا 2/3/2026 9:44:00 PM
وُلد سيف الإسلام في طرابلس عام 1972، وهو الابن الأكبر للعقيد الليبي الراحل معمر القذافي من زوجته الثانية صفية فركاش
Fact Check 2/3/2026 2:15:00 PM
The shocking image circulating online actually shows Abramović at a 2013 New York charity event—what looked like “human flesh” is a performance art piece, not a crime.