الأربعاء - 28 شباط 2024

إعلان

مناشف لحمّامات دم باردة

المصدر: "النهار"
لوحة "سلسلة ممزقة" من مجموعة "الدم" للفنانة التشكيلية باربارة أغرست.
لوحة "سلسلة ممزقة" من مجموعة "الدم" للفنانة التشكيلية باربارة أغرست.
A+ A-

جو قارح

في المقعد الخلفيّ،

تتسرّب إلى أذنيّ شظايا حديث مفترس حادّ الأنياب،

يتحدّثون عن الحرب الآتية،

عن حمّامات الدم التي ستغطّي الجدران وما تحتها من تراب عطشان،

كأنّنا نحن الأربعة سننجو كريشة عصفورة عذراء تلاقي الهواء عند كعب الشجرة،

كأنّ الدم المسفوك لن يعرف صدورنا ووجناتنا الخرساء،

سنفوّت الفاجعة بأسرها،

سنُسحَب كالشعرة من العجينة اللزجة،

لا بل سنسمع طبول الحرب من عليائنا المهيب،

ولن تقترب منّا أيّ رصاصة طائشة.

لكن الحقيقة أمرّ وأفظع،

فربّما سأكون المسلّح الذي ستُمشَّط بجثّته المشوّهة الشوارع الخالية بعد جولات القصف،

أو الأخ الذي سيحمل نعش أخيه الفارغ المفقود في كومة ردم عالية،

أو الصديق الذي سيُنزل جثّة رفيقه المعلّقة عن عمود الكهرباء المعطّل،

أو الشابّ الطموح الذي سيتأمّل مستقبله ينسحق تحت أصوات القذائف.

الجميل في الحديث عن الحرب أنّنا ننعزل كلّيًّا عنها،

ويمكننا تصوّر أبشع السيناريوهات الإجراميّة بحذافيرها،

كأنّها لن تتكرّر إذا دقّ النفير،

ولن تطرق بابنا بل ستغفل عنه،

كوننا نحن المبشّرين الأوائل بعظمتها،

كردٍّ لمعروفنا.

****

يقال إنّ المشكلة ليست في الموت،

بل فكرة أنّك ستموت من دون سابق إنذار،

أنّمسلّحًا كريه الرائحةيلبس بدلة عسكريّة مهترئة،

يدخّن سيجارة بطرف شفتيه،

سيأخذك من بيتك ليلًا،

يضعك أمامه على الحائط الملطّخ بالدماء ويرديك قتيلًا.

قبل ذلك، ستتذكّر أنّك لم تودّع أمّك،

ولم تقبّل جبين حبيبتك وتخبرها أنّ قصّة شَعرها الجديدة مثاليّة،

ولم تحضن صديق طفولتك للمرّة الأخيرة وتضحكان للنكتة ذاتها مرّة أخرى،

ستقف عندها حائرًا،

متناسيًا القاتل اللامبالي،

أنت مجرّد رقم بالنسبة إليه،

مهمّة صغيرة سريعة عليه إنجازها في وقت فراغه،

لن تكون الأوّل ولا الأخير،

ويمكن ألّا تكون أبدًا.

ستقف وتدفع نفسك إلى الوراء محاولًا الهرب عبر الجدار،

فتقع يداك على دم يابس يتقشّر أكثر كلّما لامسته.

تعلم جيّدًا أنّك بريء،وهذا طبيعيّ،

ففي الحرب لا يموت إلّا الأبرياء، جوعًا وانتظارًا وحنينًا،

بالرصاص أو بالذكريات،

الفرق أن الرّصاصة تخترقك فتقتلك،

أمّا الذكرى فتقتلك وتبقيك حيًّا.

****

لا نكتب عن الحرب القادمة إلّا كلامًا مضغوطًا ملغومًا،

لا نفتح آفاقًا جديدةً ولا نترك في النهاية سؤالًا ختاميًّا،

ففي الحرب، لكلّ طرح جواب،

إمّا تفجير أو مجزرة أو تصريح.

الكتابة عن الحرب قبل موعدها أوضح،وخلالها مؤلمة،وبعد رحليها أصعب،

كأنّ الكلام يعاكس الحالة،والأفكار تناقض الحقيقة،

فنعيش في كذبة سرمديّة: إنّ الحرب.

****

الحنين إلى الحرب،

عودة أيّام الرعب والموت العبثيّ،

مَن يستنجد بها إلّا الذين فشلوا في السابق،كأنّهم يطلبون فرصة ثانية على حسابنا.

****

الحرب دخلت كلّ البيوت على حدّ سواء،

إمّا بالدمار او بكادرات الصور،

لم يسلم منها إلّا مَن رحل،

حنّى الذين انسحبوا من ساحة المعركة قبل بدايتها،نالوا قسطهم من النفي والتنكيل،

دفعة واحدة يُرمى الجميع في النار،

وبدلًا من إطفائها،يبحثون عمّن سيتحمّل الحريق أكثر.

****

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم