الخميس - 29 تشرين الأول 2020
بيروت 27 °

إعلان

إدوار زرد أبو جودة: سيرة حياة من الوطن إلى الذات

المصدر: "النهار"
إدوار زرد أبو جودة.
إدوار زرد أبو جودة.
A+ A-

كتب: ربيعة أَبي فاضل 
 
بدت لي التّجربة، في كتاب المدير السابق، إدوار زرد أبو جودة، موضوعيّة، وقد سُردت محطّاتها بطريقة عقلانيّة، بعيداً من الانتفاخ الذّاتي، والمبالغة في تزيين الواقع أو تزييفه أو إخضاعه لعمليّات تجميليّة، تُخرجه على الفضاء الجدّي. وذلك مرتبط كيانياًّ بمزاج الرّاوي – بطل السّيرة هذه: "حياتي تصميم وطموح وتطوير، لأنّه يريد الحقيقة قبل الخيال، وحرارة الحياة قبل البلاغة، فاتّسم أسلوبه بالبساطة الراقية، وبروح المسؤولية العميقة، وبالتؤدة، والدقّة في التّعاطي مع الوطن وأهله، ومؤسّساته، وتعقيداته، وحياته المتنوّعة، وأبوابه المُشرَعة إلى كلّ ريح، وفي كلّ مهبّ.
 
وبدا صاحب القلم هذا، وهو تخطّى التّسعين، في منتهى الوعي، لأنّه مدرك أنّ ذا الإرادة لا بُدّ من أن يتحلّى بثلاثٍ: القدرة على الاختيار، والطّاقة على الحسم والقرار والشّعور بالرّضى والفخار (Choix, effort, consentement) فهو تشبّث بأرض آبائه، ولم يُهاجر، وارتقى درجات سُلّم الوظيفة، طبقةً طبقة حتى الذروة... فكان حليماً، حكيماً، محاوراً بارعاً، لا حدّ لتضحياته في السّلم، وفي الحرب، ولا فتور في وطنيته، ولا لين، ولا هوُن، إنّما رحلة مضنية لمواكبة تكنولوجيا الاتّصالات، في العالم، ولتنمية البلاد، وتحديثها، وجعلها في درْج الدّول المتحضّرة. ومَنْ يطّلع على الكتاب يهمس في أعماقه، حتماً:
“Combien il est magnifique d’être homme”
 
وبدا النّجاح الذي أرضى المدير ثمرة الصّلابة الدّاخلية،لا تتعب، والعصاميّة، لم تعرف التّراخي والثّقة المتجدّدة بالذات، وجبْه الصُّعوبات بالاصرار على الحياة، فصحّت فيه كلمة كارل يونغ: (il Est tout entier à son oeuvre avec tout son pouvoir et tout son vouloir) ومن خلال تجليّاته، في القطاعين العام والخاص وفي الحقل البيئي، والإنساني، والاجتماعي، نسج الرّجل أسطورته وثبّت هويّته، واكتشف بأعماله، أي دور بناء عاشه، منذ البداية حتى الآن، وكانت عبارته التي كرّرها أمامي (Ce n’est que par notre action que nous découvrirons qui nous sommes)
وبدت هذه الشخصيّة مطمئنّةً لأنّ الكفاح في اتّجاه القِمم يُشعل القلب، ويُسعده. فقد أشّعت طمأنينته على بيته، وعائلته المعروفة، وبلدته، وبلده، فاحتضن شريكة حياته في معاناتها، واحتمل ألمَ الموت، عندما فُجع برحيل ابنه، وتبيّن له أنّ سعادة الإنسان لا تكتمل في الخارج، إنّما في تأمّلات داخليّة، روحيّة، تردّ إلى الذّات سكينتها فلجأ إلى الكلمة، ثمّ إلى الكتاب المقدّس القائل: "وصِّ أغنياء الدّهر الحاضر أن لا يستكبروا، ولا يتّكلوا على الغنى، وأن يتموّلوا من الأعمال الصّالحة، ويكونوا أسخياء، مرتاحين إلى المؤاساة. وكثيراً ما رَدّد أمامي، وهو يتفكّر في المصير: "إنّ الإيمان من دون الأعمال ميّت"، فكان مشروع المنح الجامعيّة خير دليل على التحوّل الدائم التّصاعديّ لهذا القلب الذي فرح بالعطاء، وتعلّم من عصافير السّماء، ومن زنابق الحقل، أنّ الجمال في العطاء وليس في الأخذ.
 
وما أكثر ما حنّ قلب كاتب سيرة الحياة هذه، إلى الفضاء الجبرانيّ، بنغم نوستالجيّ شجيّ عميق، مردّداً منفتحاً على أُفق بعيد: "ويلٌ لأمّة تلبس من حيث لا تنسج، وتأكل من حيث لا تزرع..."، "وهُنالك مَن يعطون غير آبهين بما يُسبّبه العطاء من فرح، أولئك يُعطون كما تُعطي الرّيحانة في الوادي عطرها للنّسيم". هؤلاء أبناء لبنان هل بينهم من يتجرّأ ويقول: "إذا ما متُّ تركت وطني أفضل ممّا وجدته عندما ولدت؟" (لكم لبنانكم ولي لبناني).
 
هذا الماجد، النّبيل، الأصيل، حقّق أحلامه بعرقه،وصنع عطره بكدّه، وجدّه، وأنشأ بقوّة بصيرته، وطيب عجينته، وسلام نهجه، جسر حوار بين اللبنانيين، ووحدةَ حياة، ومصير، وتطلّع، فانسحب حضوره على كلّ لبنان، وأضاف ما استطاع من تطوّر، وتحديث، ونهوض، وتقارب، وتفاهم، واتّحاد... ومحبّةٍ: "أمّا إذا عملتم بمحبّة فأنتم إذ ذاكَ تَشدّون أنفسكم إلى أنفسكم، وبعضكم إلى بعض، وإلى الله".
 
"حياتي تصميم وطموح وتطوير"، أي عبرة نُبقيها في البال ونحن نتكلّم على المدير إدوار، وكتابه؟ إنّها قول القائل،: "ليكن اهتمامك بالاسم الصّالح لأنه أَدْوم من ألف كنز عظيم من الذّهب" هذا هو اسمه، سراج مُضيء، وكفاح مخلص من أجل ترسيخ التنمية، والنهضة، والهُوية. وهو الآن، في ذروة شيخوخته، يُعاني آلاماً نفسيّة، أين منها آلام الجسد، بعد أن رأى لبنان الذي أحبّه، وشعب لبنان الذي آخاه، في هذه الحال من الفقر والعجز والموت، نتيجة فساد الفاسدين ، وتحجّر الضّمير في مَن يديرون الشؤون.
 
هذه المحطّات ليست سيرة ذاتية بقدر ما هي سيرة حياة وطن، وضَعت الذات الكريمة، الكاتبة، كلّ طاقاتها في خدمته... وها هو لبنان الذي أحبّه، وأحببناه، ينهار أمام عيوننا الدامعة، الصامتة، ولا مَن يحزنون! 
 
الكلمات الدالة