الأحد - 25 شباط 2024

إعلان

إعوجاجات سيجارة مثقوبة الأفق

المصدر: "النهار"
(تعبيريّة).
(تعبيريّة).
A+ A-

جو قارح

أنا لا أدخّن،

بل أُدخّن على مهل،

مجّة من الطريق وأخرى من الرصيف،

كانت شفتا الجدار تمتصّانني وتنفثانني دخانًا مخلّعًا يقع فورًا على الأرض.

 أنا لا أملك هواءً لأطير،

ولا غيومًا لأبحر،

ولا رجْلَين لأقف،فقد سحبتهما النسمة مجّة واحدة واختفت.

أنا لا أُدخّن،

لأنّ رائحتي كريهة بلا سجائر مشتعلة في يدي،

فالأحلام والآمال ورسائل الشوق الطويلة تلتصق بأناملي،

وسترتي البنّية احترقت أنفاس البرد فوقها،

رائحتي قبوٌ منسيّ عند الغروب،غطّ حطام الشمس عليه وتبخّر.

أنا لا أُدخّن،

لأنّ السيجارة أقصر من يومي، ويومي أطول منّي فيبتلعني،

كغلاف علبة السّجائر،

لا أجد نفسي إلّا في الهواء مرميًّا،

منتظرًا مرور سيّارة مسرعة لتدفعني إلى الأمام،

لا أقوى إلّا على الرّفرفة الصامتة في مكاني،

منخفضًا تباعًا لأصبح من أهل الطريق،

مع أوراق السندويشات الورقيّة وحبّات العلكة الممضوغة بأسى.

أنا لا أُدخّن،

لأنّ علبة الدخان مكلفة والمطلوب رخيص،

ليلة واحدة،

شعلة واحدة،

سحبة واحدة،

تصفية كلّ ما يدور في رأسي بلعة واحدة،

هكذا أعود إلى أوراقي خالي الوفاض،

فأكتب عن آلام الآخرين،

مآسيهم الشاقّة،

مغامراتهم المشوّقة،

وأنسى نفسي رمادًا باردًا في منفضة نحاسيّة متروكة.

***

تروح وتجيء،

الشمس تتعرّق فوق ظهرك،

قميصك الأبيض يشتدّ عليك،

تتسوّل كلماتك من دخان سيجارتك الملتوي،

كانت عيناك تركعان على المنفضة وتصلّيان،

تركتهما ورحت تبحث عن وجهك في الشوارع،

في حجارة الرصيف الرماديّة،

كلّ ما وجدتَه حينها: اعوجاجات سيجارة مثقوبة الأفق.

***

التدخين يقتل،

وعدم التدخين أيضًا،

دخّن أو لا تدخّن ستموت في كلا الحالتين.

***

نهاري دقيقة،

جسدي عواء ليليّ مضرّج فوق رصيف مبعثر،

أضعتُ كلماتي بين الأضواء النافرة،

كأنّ انتظاري ورقة مضى عليه الليل ومشى،

بتُّ معلّقًا بين الصبح والمساء،

ولساني زجاجة متجمّدة لا تقوى على المشي،

وزّعتُ فُتاتي على كراسي المقاهي،

لأنبت حديثًا معتّقًا في سيجارة متروكة على حافة الطاولة،

يتصاعد من رأسي الدخان ولا أشتعل،

بل أحفر في السماء الملبّدة ثقبًا لأُخرج منه سعالي،

فيبشّر الملائكة بقدومي يومًا.

***

خرجتُ،

سحبتُ العتمة من فم الباب،

صرختُ،

سألت عن طول الليل، ما من مُجيب،

لففتُ الدرج سيجارةً،

ففاح بخور عينيّ في أزقّة الصمت،

لكنّني توقّفتُ،

فكّرتُ مرّتين قبل العودة،

فكّرتُ بالأسباب واقتنعتُ،

وعندما حاولتُ، تذكّرتُ رجليّ عند حافّة الضوء،

استلقيتُ على هدير المساء،

لففتُ حياتي سيجارةً،

لعلّها تشتعل فتهتمّ بنفسها.

***

التدخين قرار صعب،

كيف أُسلّم مخاوفي لغبار مشرّد،

سيخرج من فمي ولا أعلم أين سيتوقّف،

عندما تقرّر التدخين،

 أصبحتُ أعزل،

ومُلاحَق على الدّوام،

لن ترتاح،

ملفّك سيكبر يومًا بعد يوم،

لن تموت إلّا معلّقًا على سيجارتك الأولى.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم