الأحد - 01 تشرين الثاني 2020
بيروت 25 °

إعلان

أنطوان سعد يكتب سيرة البطريرك صفير: ما أوسع الحلم وما أضيق الكون

المصدر: "النهار"
المجلد السيرة.
المجلد السيرة.
A+ A-
 
كتب يوسف طراد
 
عظيمٌ اجترح المستحيل بعد فسحة عبث، فارتوت صخور لبنان من شموخه المتوهج، وكان مجده أسطورة تحققت على شرفة الاستقلال الثاني. عِشقُه لوطنه سُطِّر بعناوين كبيرة على دروب الوطنية الصادقة وصواب المواقف. فقطف أنطوان سعد من رحيق عظاته الهادفة ومواقفه الثابتة وأناقة حضوره وهدف ترحاله، سيرةً ذاتيةً وضعها في ثلاثة مجلدات بعنوان "السادس والسبعون، مار نصرالله بطرس صفير"، فكانت حكاية ناطور الخلود، الذي داعب الأخطار باسمًا ولم يُهزَم، لأنه فُطر على رؤى معجونة من السنابل الذهبية، ورحيق الخمر المقدَّس، وشذا الأرز، وأزلية لبنان، ودموع المقهورين.
 
بجهد منقطع النظير ومثابرة عصية على الوصف، كتب أنطوان سعد سيرة غبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير. إذا أحصينا المراجع التي جمع من خلالها السيرة والشخصيات التي ذُكرت خلال السرد، نتأكد أنه لملم الحقائق المبعثرة مع جميع تفاصيلها وصوت نبضها. حين انفرجت أسارير البوح عن أسرار مذهلة خلال حقبة من عمر الوطن، طردَ صوابُ الحكمة الموثّقة سرابَ الأفكار من عبثٍ ومكائدَ في دهاليز العتمة، فتجلّى بحبره الصادق أقمارًا رافقت صاحب السيرة والوطن على دروب الرجاء والخلاص، وابتسم القدر وسقطت أسوار الليل الطويل.
 
المسافة الزمنية للجزء الاول كانت من عام 1986 إلى عام 1992؛ وانحصر الجزء الثاني بين العامين 1992 و 1998؛ أمّا الجزء الثالث الذي دَوَّن فيه ما تبقى من السيرة فكان من العام 1998 إلى العام 2005، ما يعني أنّه اختصر تسعة عشر عامًا من حبرية البطريرك. 
 
صيغ هذا البحث بموضوعية لم تهمل أي حدث صغيرًا كان أم كبيرًا، فقد استند إلى 96 مرجعًا في جزئه الاول، و54 مرجعًا في جزئه الثاني، و613 مرجعًا في جزئه الثالث. أهم تلك المراجع الصحف المحلية والعالمية، المجلات الدينية والسياسية، المقابلات الموثّقة مع رجالات السياسة والفكر والسفراء، ومواعظ الآحاد العائدة للبطريرك الماروني. عدد الأعلام من رجالات دين وعسكريين ورؤساء جمهوريات وملوك ورؤساء مجالس وحكومات ونواب ووزراء ورجال سياسة وفكر وسلك دبلوماسي، بلغ 404 في الجزء الأول، و348 في الجزء الثاني، و360 في الجزء الثالث والأخير. وكان سلاح البطريركية في تلك الفترة -كما هو دائمًا- الكلمة الصادقة النابعة من حلم تحرير النفوس والوطن.
 
 
أتت هذه الأعمال التأريخية في غالبيتها تجسيدًا لحوادث مؤلمة، برزت فيها الشخصيات السياسية كافة بصورة هازئة. فقد بان عريهم السياسي المفضوح، من أجل الجلوس على كراسي هذه الفانية. يتأكد القارىء أن التوقيع الثالث على المراسيم كان هاجس زعماء الطائفة الشيعية الكريمة. فمنذ عقود -كما بدا جليًّا في السيرة- برزت عدّة أمور حول هذا الموضوع، منها تصوُّرٌ لحل الأزمة اللبنانية، كان قد وضعه أحد المسؤولين الموارنة الكبار بتاريخ 18/1/1986 من أجل مكسب سياسي، وجاء في أحد بنوده الوارد في الصفحة 96 من الجزء الأول: "استحداث منصب نائب رئيس وزراء يُسند إلى شيعي يتمتع بحق التوقيع على المراسيم إلى جانب تواقيع رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزير المختص". كما ورد في الصفحة 51 من الجزء الثاني ما يشير إلى تمسك زعماء الشيعة بوزارة المال، من أجل تثبيت التوقيع الثالث كعرف، وذلك في العام 1992، حيث تكلم رئيس الجمهورية آنذاك أمام البطريرك عن الصراع حول وزارة الخزينة، وعلّل التأخير في تشكيل الحكومة بالخلاف الواقع بين أمل والمستقبل على هذه الحقيبة، "...لأن ممثلي الشيعة في الحكومة أصروا على أن يتولى واحد منهم حقيبة المال"، وقد أسندت بعدئذٍ إلى الوزير فؤاد السنيورة.
 
الحقيقة الواضحة التي كانت تزعج البطريرك، هي وضع نواب الأمة الحرج، بخاصة في كل مرّة ينتخبون فيها رئيسًا للجمهورية، وفي كل مرّة يُفرض عليهم التجديد أو التمديد للعهود في زمن الاحتلال السوري. فقد ورد في الصفحة 320 من الجزء الثاني ضمن بيان اجتماع المطارنة الموارنة بتاريخ 2 أيلول1998: "إذا سألت أحد النواب من هو مرشحه أو من سينتخب لهذا المنصب الكبير، لاذ بالصمت، إذا لم يقل لك إني أنتظر من له القرار. وهل من دليل أبلغ من هذا الدليل على تعطيل النظام الديمقراطي في لبنان؟". كما ورد أيضًا في الجزء الثاني صفحة 313 على لسان المؤلف: "كان الألم يعتصر قلب البطريرك في موسم الاستحقاق الرئاسي كلّما راى الطامحين إلى الرئاسة يتهافتون على مقر الاستخبارات السورية في عنجر ليتمكنوا من الحصول على موعد مع أحد المسؤولين في القيادة السياسية السورية في دمشق". هنا يحضر أمامنا قول للأديب مارون عبود عن صلاة نائب، في كتابه "وجوه وحكايات": "إرحمنا اللهمّ، ووقِّنا عثرات السياسة يوم انتخاب الرئاسة".
 
بإيمانه العظيم بقيامة لبنان، هذا الإيمان الذي تجلّى في عظاته العديدة وبخاصة العظة المذكورة في الصفحة 87 من الجزء الثالث: "...فأيقَظوه من نومه قائلين: "(ياعظيمنا يا عظيمنا قد هلكنا)، فقام وزجر الريح وأمواج البحر، فسكنت وحدث هدوء، ومن فعل ذلك منذ ألفي سنة، في إمكانه أن يفعل اليوم". وتشديده على العيش المشترك: "المسيحيون في لبنان منذ فجر المسيحية، والمسلمون فيه منذ فجر الإسلام، وتعرف أننا محكومون بأن نعيش معًا، وقد عشنا ونعيش معًا..." هذا ما نُقل عن لسان غبطته وذُكر في الصفحة 26 من الجزء الثالث من السيرة. وصوته الصارخ الذي عبّر عن ظلم جميع اللبنانيين الطامحين نحو الحرية والاستقلال حسب ما ورد في الصفحة 249 من الجزء الثالث: "إن الانسحاب مطلب المسيحيين والمسلمين الذين يقولون سرًّا ما يقوله المسيحيّون علنًا". وإصراره على انسحاب جميع الجيوش الأجنبية عن لبنان. فقد كتب المؤلف ضمن الصفحة 40 من المجلد الثالث: "أمّا رهان بطريرك الموارنة فكان منذ البداية على مجيء يوم ينتفض فيه كل اللبنانيين على الهيمنة السورية". وتصوره للوضع المالي وتحذيره من الدَّيْن العام: "كما أعرب سيد بكركي عن أمنية في أن يحجم لبنان عن الاستمرار في الاستدانة." (صفحة 286 من المجلد الثاني). هذه المواقف وغيرها بالآلاف، رسمت الخط الواضح للتحرير والعيش المشترك والسلام الاجتماعي.
 
جميع الأحداث التي مرّت خلال حبرية البطريك صفير، ذُكرت بصدق التأريخ والتدوين، فكان منها الأحداث العظيمة والأليمة، كمصالحة الجبل وحيثيات تأليف تجمُّع قرنة شهوان والدعوة إلى مقاطعة الانتخابات، وحرب التحرير والإلغاء والتوقيفات السياسية، وتفجير سيدة النجاة وسجن الدكتور سمير جعجع، ونفي العماد ميشال عون، وزيارات البطريرك إلى الرعايا في دول القرار، وإحجامه عن زيارة النظام السوري، وزيارة قداسة البابا يوحنا بولس الثاني إلى لبنان حاملًا الإرشاد الرسولي هدية قيمة إلى شعبه المعذّب، واستقبال رؤساء الدول العظمى كفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة الأميركية للبطريرك صفير، وجميع المؤتمرات من أجل الكنيسة المارونية في الكرسي الرسولي... وغيرها من الأحداث التي أدّت إلى التحرير وانسحاب جميع الجيوش عن أرض وطن الأرز. 
 
الكاتب.
 
كما ركّزت السيرة، في العديد من الصفحات، على الاحتلال الاسرائيلي لقسم من الأراضي اللبنانية، ومواقف البطريرك الرافضة لهذا الاحتلال وتداعياته على السيادة. وذكرت هواجسه المتعلقة بسير الأمور في الوطن بعد الانسحاب السوري والتي ما زالت جاثمة أمامنا اليوم. فقد وردت هذه الهواجس في الصفحة 284 من الجزء الثالث: "... لدينا مشكلة مشتركة هي إسرائيل"... ورأى البطريرك أن خطوات إعادة نشر الجنود السوريين في لبنان (جيدة) ولكنها ليست وحدها الحل: "فنحن نعرف أنهم ينسحبون من بعض المناطق، ولكن مشكلاتنا معهم ليست في الجيش السوري، بل في التدخل السياسي في شؤوننا. بمكالمة هاتفية تُدخل شخصًا إلى السجن، وأخرى تُخرج آخر. وبمكالمة هاتفية يُتَّخَذ هذا القرار وبأخرى ذاك".
 
أبصرَتْ سيرة البطريرك السادس والسبعين النور في مستشفى ولادة الكتب في دار سائر المشرق للنشر، على يد طبيب الأدب السياسي الماهر، المتخصص بالحالات المستعصية، الأستاذ أنطوان سعد؛ ولم تكن الولادة عسيرة، لشغفه بهذا النوع من الابحاث كونها من ضمن اختصاصه، فهو الذي كتب عن (مسؤولية فؤاد شهاب عن اتفاق القاهرة)، ضمن كتاب بحثي سياسي توثيقي، مظهرًا حقائق دامغة. وأجرى عملية قيصرية لإخراج رواية (سر المئة عام) للمهاجر شبل عيسى الخوري من رحم هرم، وقد عمّدها بجهده تمحيصًا وتدقيقًا، كونها مخطوطة بلغ عمرها قرنًا من الزمن، وكُتبت بقلم رصاص، وقد زادها الدهر غموضًا وإبهامًا.
للباحثين عن خمرة الحرف الوطني، هذه هي السيرة للبطريرك السادس والسبعين، متوردة الأناقة بسردٍ مشبعٍ بالحقائق. سيرة عظيم لم يَخَفْ من الغد والغدر رغم الأقدار اللعينة، فعبر الأفق البعيد إلى حرية الوطن، بدون أرق الدروب، فكانت حبريَّتُه فسحتَنا الأخيرة، وعناقًا لشموخ الأرز وسط العدم. فما أوسع الحلم وما أضيق الكون!
 
الكلمات الدالة