الأحد - 14 نيسان 2024

إعلان

أطلق النار على أحدهم واحصل على الجواز… فيلم قصير يسخر من الوطنية!

المصدر: "النهار"
هوفيك حبشيان
"نشيد وطني" لجاك توريتس.
"نشيد وطني" لجاك توريتس.
A+ A-
جاك توريتس مخرج أميركي “شاب”، كما يحلو للبعض تسمية السينمائيين الذين في مقتبل تجربتهم. كله حماسة ونشاط. التقيته في الدورة الأخيرة من مهرجان كليرمون فيران السينمائي للفيلم القصير، شباط الماضي. جاء توريتس مع فيلمه القصير الساخر، "نشيد وطني"، الذي شارك في المسابقة الرسمية للدورة السادسة والأربعين. بنحو عشر دقائق، يقول كلمته ويمشي. وهذا ما يتميز به الفيلم القصير، خصوصاً اذا كان من النوع الذي ينتمي اليه "نشيد وطني"؛ نصّ يُختَم بسقطة درامية لا يمكن اضافة شيء من بعدها. تجري الأحداث، اذا صح تسميتها كذلك، داخل دائرة حكومية مخصّصة لمنح الجنسية إلى بعض من يستوفي شروط الحصول عليها. ثلاثة إداريين ينادون هؤلاء تباعاً، وعليهم القيام بإجراء معين قبل ان يصبحوا أبناء البلد وبناته.

كان لا بد ان يتّجه الحديث مع توريتس إلى قضية الهجرة، فهذا ما يتناوله فيلمه في الأخير. هل هناك خوف من الهجرة بسبب ما تعنيه من فرض ثقافة جديدة على الغرب؟ لا يأتيني توريتس برد صريح، رابطاً المسألة بظاهرة عالمية: "انظر إلى فرنسا. هذا البلد ينطوي على تاريخ من الهجرة. نعم، هناك خوف من التغيير وأيضاً خوف من الآخر. هذا فيلمي الأول بعد الجائحة، وبعدها أصبحنا أكثر عزلةً وأكثر خوفاً بعضنا من بعض ممّا كنا عليه في الماضي. الجائحة خلقت نوعاً من الخوف الذي لا يزال حاضراً بيننا إلى اليوم. بدأ الخوف بـ"لا أريد ان يصيبني الفيروس" والخشية من ناس هم جيرانك، لا فقط من هؤلاء الذين يأتون من بلدان بعيدة”.

سخرية القدر ان توريتس صوّر "نشيد وطني"” في المجر، وهي الدولة الأوروبية التي، في عهد رئيس وزرائها فيكتور أوربان، تكن عداء شديداً للمهاجرين. لا يرى المخرج الشاب في تصوير فيلما عن الهجرة في المجر أي تناقض، بل يقول ان كلّ مجري عمل فيه جاء اليه بتجربة شخصية. من خلال ظهورهم فيه، كانوا يروون قصصهم الحقيقية.
 
تحدي الحصول على جواز.
هذا ليس أول فيلم لتوريتس، بل الثالث، رسمياً. "رسمياً"، لأنه سبق ان أخرج أعمالاً عدة عندما كان لا يزال في المدرسة. "كنت مراهقاً"، يقول بشيء من الحرج. أسأله اذا درس السينما، فيجيب انه يصنع الأفلام مذ كان في الثامنة. بدأ بأفلام الـ"ستوب موشن"، مستعيناً بكاميرا والده. انها قصّة أخرى محورها آلة التصوير - الأب التي تدفع بالأبناء إلى الفنّ. من تلك اللحظة صعوداً، لم تشغله سوى الأفلام. درس السينما لعام واحد، لكن البيئة التي تربّى فيها، مدينة نيويورك، حيث الكثير من الأشياء المرتبطة بالسينما، جعلته يتعلّم وهو في الميدان. يتذكّر: "بدأتُ أعمل في السابعة عشرة، إلى درجة اني عندما بدأتُ أدرس السينما، شعرتُ بأني لا أحتاج اليها. ليس لأني لم أكن أحتاج إلى التعلّم، بل شعرتُ بأن الدراسة الأكاديمية لا تناسبني كي أتقدّم".
كأي مخرج شاب يكتشف كليرمون، بدا ترويتس منبهراً بهذا المهرجان وجمهوره المتعدد. يعترف بأنه لم يرَ الفيلم القصير وهو يعامَل بهذه الطريقة في بلاده، فيعلّق: "يتم التعاطي مع الأفلام القصيرة كما لو انها أفلام طويلة في مهرجان كانّ". أدهشه أيضاً أن المهرجان لا يقتصر على المحترفين والضيوف، بل ان أهل المدينة متورطون فيه. "كوني من الولايات المتحدة، هذا شيء لم أعتده. فليس لدينا ما يكفي من الحبّ تجاه الفيلم القصير. هذه المرة الأولى يُعرض فيلم لي في فرنسا، ومنذ طفولتي أسمع ان المشاهدين الفرنسيين هم الأعظم في العالم. تأكدتُ من هذا هنا في كليرمون”.

في أميركا، كما في أماكن كثيرة من العالم، على المخرج ان يثبت قدراته من خلال الفيلم القصير أولاً، قبل ان تراهن عليه جهة معينة لينال تمويلاً يخوله إنجاز طويله الأول. "لا نملك في أميركا دعماً حكومياً يساعد السينمائيين مثلما الحال في فرنسا. كلّ شيء عندنا مصدره المال الخاص، وهذا يتطلّب ان تثبت للجهة المموّلة انك لن تهدر استثمارها المالي. لذلك، عادةً لن يثقوا بك الا اذا أكّدتَ أنك قادر على صناعة فيلم”.

يشتكي توريتس من ان العديد من الأفلام المستقلّة في الولايات المتحدة تبقى في ظلّ السينما الأميركية المهيمنة، وهذا غير موجود في بلد كفرنسا. ألفتُ انتباهه إلى ان حتى السينما الأميركية المستقّلة صارت نوعاً ما "مينستريم"، الأمر الذي يوافق عليه بالقول: "تماماً. انهم سينمائيون شهيرون جداً، لكنهم مستقلّون. هناك أيضاً الكثير من الناس الذين ينجزون أفلاماً راديكالية تأتي من خارج السيستام وبلا مال كثير. وهناك أفلام عظيمة. لكن لا أحد يعطي هؤلاء المال، الا اذا أحدهم كان فعلاً مؤمناً بالمشروع لسبب ما".
 
فيلم عبثي يسخر من الوطنية.
"نشيد وطني" هو جزء من ثلاثة أفلام عمل عليها ترويتس، ويقول ان الفكرة جاءته "من مكان عميق في لاوعيه"، وهو المكان الذي تأتي منه أفكار كلّ أفلامه، رغم انه لا يعرف السبب. "الأفلام الثلاثة مختلفة بعضها عن بعض. ولكن المشترك فيها انها مبنية على نوع من نكتة أو دعابة أو لعب على الكلام. موضوع الفيلم هو الآتي: كيف الأشياء قد تكون ظريفة إلى اللحظة التي لا تعود ظريفة. وطبعاً هناك العبثية التي تسيطر على عالمنا. الكوميديا التي في الفيلم ضرورة له".
الفيلم عن ناس يأتون من خارج أميركا (رغم انه لا يحدد هوية البلد)، ويرغبون في تأسيس حياتهم فيها ونيل جوازها والانخراط في نظامها. وهذا كله يمد الفيلم بلكنة سياسية بعيداً من البعد العبثي الذي يموضعه المخرج فيه. لكن الأشياء لن تمر على خير، ذلك ان المخرج يلجأ إلى أكثر الرمزيات تطرفاً: فعلى كلّ واحد من المرشّحين لنيل جواز البلد ان يطلق النار على الآخر، وفقط الذي يصيب يصبح مؤهلاً له.

يوضّح توريتس ان الفيلم لا يدور بالضرورة في الولايات المتحدة، بل في مكان غير محدد، وقد يكون في أي مكان. "صحيح أن الفيلم ناطق بالإنكليزية وأنا أميركي، لكننا صوّرناه في المجر. الهجرة اليوم مسألة كبيرة، سواءً كنت من بلد يغادر منه الناس أو من بلد يستقبل وافدين. هذا أحد المواضيع الأساسية في زمننا الراهن وسيبقى كذلك لفترة طويلة. نعم، فيلمي سياسي، اذ أمكن قراءته بمستواه الأول، حيث ان الناس يقتل بعضهم بعضا ليحلّوا مكان بعضهم بعضا، وهو مكان يعتقدون انه ستكون لهم فيه حياة أفضل. أما السلطة فتحاول ان تستقبل أقل عدد منهم. كما ذكرتُ سابقاً، قد يكون الموضوع مرتبطا بالمكان والقدرة الاستيعابية، لكن الولايات المتحدة بلد شاسع، لدينا مساحات لعدد كبير من الناس. ثم، لا أحد يعرف. أي منّا قد يصبح لاجئاً في يوم من الأيام”.

هنا، لم أستطع الا ان ألفت انتباهه إلى انه من الصعب على أميركي حالياً ان يضطر إلى ترك بلاده بسبب قضية سياسية. يضحك ويجيب: "بالطبع، لكن لا أحد يعلم ماذا قد يحدث لاجبار الناس على المغادرة. أميركا بلد الهجرة، وفي هذا قوتها وجبروتها. ناسها من كلّ الأمم التي على الارض".

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم