الأربعاء - 30 أيلول 2020
بيروت 29 °

إعلان

هل تؤثّر العقوبات الأميركيّة على العلاقات الإيرانيّة-الأرمينيّة؟

المصدر: " ا ف ب"
"النهار"
A+ A-

طابع تاريخيّ خاص

أضاف سجين أنّه على مدى قرون، حافظت إيران على علاقات اقتصادية وثقافية وثيقة مع الشعوب على امتداد القوقاز. لكنّ علاقاتها مع أرمينيا ذات طابع خاص. إنّ أول تشكّلات الدولة في أرمينيا وإيران برزت في القرنين السابع والسادس قبل الميلاد أي ما يقارب 3 آلاف سنة مضت. منذ ذلك الحين، مرّت أراضيهم وأنظمتهم بتغييرات كثيرة، لكنّ الأرمن والفرس، كمجموعات إثنية مشكّلة للدولة، لم يتغيروا على مرّ القرون.\r\n

ثمة فكرة متأصّلة في الوعيين الإيراني والأرميني وهي أنّ الفرس والأرمن يعتزّون بثقافة قديمة لا يمكن أن تندثر. وهذا يفسّر العلاقات الثقافية بين أمّتين واحتراماً شاملاً لخصائص ذهنيّة الآخر الوطنية والدينية. في الوقت الحالي، يعيش في إيران أكثر من 200 ألف أرميني يتمتعون بحقوق جوهرية. وفقاً للدستور الإيراني، لديهم تمثيل مضمون في البرلمان والمجالس المحلية. ومنذ فترة غير طويلة، المستشرقة الروسية كارين غيفوركيان أشارت إلى أنّ امرأة أرمينية شابة تعيّنت في رئاسة القسم المالي لشركة نفط إيرانية سنة 2018.


ما أسباب الحاجة المتبادلة؟\r\n

المجتمع الأرميني المسيحي هو الأكبر من نوعه في إيران التي تضم حول 200 كنيسة و 30 مدرسة أرمينية. تشتمل بعض الجامعات على أقسام للّغة والثقافة الأرمينيتين. وهنالك أيضاً جمعيات مسرحية وثقافية ورياضية إضافة إلى ناد أرميني. تجدر الإشارة إلى أنّ الإيرانيّين الأرمن ناشطون في الحياتين السياسية والاجتماعية للبلاد. بطبيعة الحال، يحتفظ الإيرانيون الأرمن بعلاقات دائمة مع جمهورية أرمينيا ممّا يعزّز العلاقات الإيرانية-الأرمينية على مستوى الدولتين. على الرغم من أنّ إيران وأرمينيا لا تقارَنان في النطاق والموقع، يُظهر التاريخ والشؤون الجيوسياسية الحالية أنّهما تحتاجان لبعضهما البعض.\r\n

تهتم إيران بالمحافظة على علاقاتها مع أرمينيا، في المقام الأول، بسبب كون الدولة تضم مجتمعاً أرمينياً مؤثراً كما ذُكر أعلاه. ثانياً، بما أنّ الشتات الأرميني منتشر في دول عدة من العالم، يمكن أن يصبح جسراً يصل طهران بدول أخرى ليست ودية دائماً، دول ينشط فيها المجتمع الأرميني أيضاً. ويمكن إيران أن تضمن حلولاً سياسية واقتصادية مناسبة لها عبر اللوبيات الأرمينية الخبيرة. ثالثاً، إنّ أرض أرمينيا، كدولة مجاورة، مهمة لإيران كممر نحو الشمال عبر جورجيا وصولاً أبعد إلى روسيا، وهو أمر مفيد لإيران بوضوح، نظراً إلى الوضع الجيوسياسي الحالي.\r\n

بدورها، تهتم أرمينيا بعلاقات ودية مع إيران المجاورة ليس استناداً إلى العلاقات بين الشتات الأرميني والجمهورية الإسلامية في إيران وحسب. اتخذت إيران موقفاً متوازناً مرضياً إزاء نزاع ناغورنو-كاراباخ بين أرمينيا وأذربيجان، عبر الامتناع عن دعم نظرائها المؤمنين في دولة مجاورة والامتثال لإطار مينسك وقرارات مجموعة مينسك الصادرة عن مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا. \r\n

علاوة على ذلك، إنّ العلاقات التجارية والاقتصادية المستمرة بين أرمينيا وإيران أصبحت إلى حد ما شريان حياة بالنسبة إلى يريفان. مع إحاطة تركيا وأذربيجان بجانبين من حدودها، لدى أرمينيا نافذتان فقط على العالم الخارجي: عبر الحدود مع جورجيا وعبر إيران. بالتالي، إنّ إيران ذات أهمية حيوية بالنسبة إلى أرمينيا. إنّ الحدود الأرمينية-الإيرانية التي تمرّ عبر نهر آراكس بالكاد تصل إلى 35 كيلومتراً. مع ذلك، تتمتع هذه الحدود بأهمية عظيمة لأرمينيا وإيران، بما أنّها تُستخدم لتطوير العلاقات التجارية والاقتصادية وترويج السياحة بين البلدين. تشير بيانات إحصائيّة إلى أنّ الإيرانيين، وليس الأرمن فقط، يستمتعون بزيارة أرمينيا.

برامج مشتركة جديدة\r\n

في السنوات الأخيرة، نجحت أرمينيا وإيران بتطبيق برامج اقتصادية مختلفة. كان واحد من أوائل المشاريع الجسر فوق نهر آراكس. وتم بناء خطّي نقل للطاقة عالية التوتر، وهنالك خطّ ثالث قيد الإنشاء. واحد من مجالات التعاون الأساسي بين الدولتين هو اتفاق موقت تم التوقيع عليه في أيار 2018 بين إيران والاتحاد الاقتصادي الأوراسي حول تأسيس منطقة تجارية حرة. بالتالي، ظهرت فرص لدمج سوق تشمل 180 مليون شخص بسوق أخرى تشمل 80 مليون إيراني. بما أنّ أرمينيا هي الدولة الوحيدة في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي التي تملك حدوداً برية مع إيران، هي تعلب دوراً جوهرياً في التعاون بين الاتحاد وإيران.


عندما تغيّر الزمن\r\n

من دون شك، إنّ مصالح الدولتين المشتركة في التعاون الثنائي تحمل آفاقاً جيدة للمستقبل. مع ذلك، لا يبدو الأمر بهذه البساطة مع حلول أوقات جديدة بالنسبة إلى يريفان وطهران. سنة 2018، شهدت أرمينيا تغييراً في الحكومة حين انتُخب نيكول باشينيان رئيساً للحكومة. طرأت تغييرات في السياسة الداخلية. أمّا بالنسبة إلى السياسة الخارجية، أقلّه مع إيران، فلم تحدث أي تغييرات محددة، وعلى الأرجح، لن تحدث. \r\n

بالنظر إلى الظروف الحالية، ليست العلاقات الثنائية ترفاً بل ضرورة ملحّة. في هذا الإطار، حملت زيارة باشينيان الرسمية إلى إيران في شباط 2019 معنى خاصاً. خلال الزيارة، أجرى الطرفان محادثات رفيعة المستوى بمشاركة المرشد الأعلى علي خامنئي الذي نادراً ما يستقبل ضيوفاً أجانب. عُقدت المحادثات في جوّ ودّيّ وشدّد الجانبان على أهمية العلاقات الثنائية وإبراز الجاهزية لبذل الجهود من أجل تطويرها.


ما المميّز في الزيارة؟\r\n

أشار ممثلو الطرفين إلى مستوى التنسيق السياسي الرفيع وأكّدا مجدداً أنّ التعاون الاقتصادي الحاليّ لا يطابق القدرات الكامنة لدى الدولتين. أتى ذلك على الرغم من أنّه وبحلول نهاية 2018، وصل إجماليّ حجم التجارة بين البلدين إلى 364 مليون دولار وهو الرقم الأعلى منذ سنة 1991. من بين المشاريع البارزة في برنامج التعاون الاقتصادي الثنائي، بناء خطّ ثالث للطاقة، تنفيذ مشروع مغري للطاقة الكهرومائية، طريق الشمال-الجنوب السريع، التعاون الاقتصادي الثلاثي والرباعي مع جورجيا وروسيا.\r\n

ما يجعل زيارة باشينيان إلى إيران مميزة هو كون الأخيرة واقعة تحت العقوبات الأميركية. في سنة 2018 التي كانت سنة انتقالية لأرمينيا، فرضت الولايات المتحدة ضغطاً غير مسبوق على إيران. بالإضافة إلى ذلك، فُرضت العقوبات الأميركيّة الثانويّة على جميع الدول والكيانات القانونية والأفراد من الدول الأجنبية الذين يجرؤون على الاحتفاظ بعلاقاتهم مع إيران. عنى ذلك تحدّياً لأرمينيا المرتبطة اقتصاديّاً بطرق عدة مع إيران.


"مشكلة كبيرة"\r\n

في تشرين الأول 2018، زار مستشار شؤون الأمن القوميّ الأميركيّ جون بولتون أرمينيا وأذربيجان وجورجيا لتأمين الدعم للخطط الأميركية من أجل عزل إيران أكثر. تشير تقارير إلى أنّ واشنطن تمارس ضغوطاً من أجل إغلاق الحدود الأرمينية مع إيران عبر فتح الحدود مع تركيا. حين كان في يريفان، أخبر بولتون باشينيان أنّه ولكون الولايات المتحدة ستفرض العقوبات على إيران، ستشكل الحدود الأرمينية-الإيرانية "مشكلة كبيرة". رد باشينيان بالقول: "نحن نحترم مطالب والمصالح القومية لأي دولة، لكن لأرمينيا مصالحها الخاصة التي لا تلتقي دوماً مع مصالح وأفكار دول أخرى". لكن كما يقال، يمكن أن يكون هنالك خيارات.


واشنطن مدركة \r\n

من الضروري التشديد على أنّ واشنطن، على الرغم من سياستها العدوانية تجاه الجمهورية الإسلامية في في إيران، تسامحت دوماً مع التعاون بين أرمينيا وإيران. يعود هذا التسامح إلى الوعي الأميركي للوضع الجيو-اقتصادي لأرمينيا التي من دون روابط موسّعة مع إيران، ستواجه مشاكل اجتماعية واقتصادية. يضاف إلى ذلك أنّ للّوبي الأرميني الكثير من التأثير خصوصاً في الكونغرس والذي لا يعطي الكثير من الاهتمام لخصوم إيران في ما يخص أرمينيا. يؤكد صحة ذلك غياب أي عقوبات أميركية على أرمينيا. \r\n

لهذا السبب قدّم بولتون اقتراحات لا تحذيرات أو تهديدات. مؤخراً، قال رئيس المركز الأرميني للدراسات الأميركيّة سورَن سركيسيان: "واشنطن مدركة بالكامل للوضع والحقائق الموجودة في المنطقة. هذا يعني أنّ الولايات المتحدة لن تضغط أبداً على أرمينيا كي ترفض إيران وروسيا. وهذا جيّد، لأنّ واشنطن تدرك أنّنا لن ننجو من دون إيران وروسيا..."


هدف الحكومة الأرمينية\r\n

يتابع الكاتب متطرقاً إلى علاقات أرمينيا مع إسرائيل، عدو آخر لإيران. يظهر أنّ تعزيز العلاقات الأرمينية-الإيرانية غير مرحب به في تل أبيب، ويريفان تدرك ذلك. اتخذت الديبلوماسية الأرمينية إجراءات معقدة لتحييد أي رد فعل إسرائيلي سلبي. مباشرة بعد زيارة باشينيان إيران، زار نائب وزير الخارجية الأرميني غريغور هوفانيسيان إسرائيل حيث ناقش افتتاح سفارة في الأراضي المحتلة "من أجل رفع العلاقات الثنائية إلى مستوى جديد". ركز الوفد الأرميني أيضاً على مسائل تنظيمية مرتبطة بالزيارة المقبلة لباشينيان ووزير خارجيته زوهراب مناتساكانيان إلى الأراضي المحتلة.\r\n

على الأرجح، ستكون النقطة الرئيسية على الأجندة الخارجية لرئيس الحكومة الأرميني والهدف الرئيسي لحكومته هو التسامح وغياب أي مشاكل في علاقاته مع عواصم الدول الأجنبية: موسكو وطهران وواشنطن وبروكسل وتل أبيب. من هنا، يمكن استخلاص أنّ التغيير الحكومي في أرمينيا والعقوبات الأميركية الواسعة على إيران وشركائها لم تؤثر على الطبيعة المستقرة للعلاقات الأرمينية-الإيرانية. في هذه الظروف، من غير المرجح أن يتم إقفال الحدود الأرمينية-الإيرانية على الإطلاق، والحصار الكامل لأرمينيا شبه مستحيل. ويختم سجين مقاله بالإشارة إلى أنّ اعتماد أرمينيا الصغيرة سياسة خارجية متعدّدة الاتجاهات أصبح عاملاً مهماً في ضمان أمن جنوب القوقاز.\r\n

الكلمات الدالة